الصحفيون ودوامة الصمت: ثمن الحقيقة في مواجهة الضغوط المجتمعية والسياسية


هذا الخبر بعنوان "الإعلام و”دوامة الصمت”" نشر أولاً على موقع enabbaladi.net وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ١١ كانون الثاني ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
يرى علي عيد أن الصحفيين دفعوا، على مر العقود، أثمانًا باهظة نتيجة خضوع الإعلام لرأي الأغلبية. وقد دفع سياسيون ومحللون أثمانًا مماثلة، لكن موقع الصحفي يبقى الأكثر حساسية بطبيعة مهنته، فهو مطالب أخلاقيًا بإبراز الحقيقة، بينما يسعى آخرون لإخفائها عندما تتعارض مع مصالحهم. وبما أن ممولي الإعلام أو المسيطرين عليه هم أصحاب الكلمة الأولى، فإن سياساتهم قد تلحق ضررًا كبيرًا بالحقيقة، وغالبًا ما يجد الصحفيون الملتزمون بالمعايير المهنية أنفسهم في مأزق أخلاقي ومادي في آن واحد.
لم يعد الالتزام بالدفاع عن الحقيقة متاحًا في كثير من الأحيان، خاصة في المجتمعات التي تعصف بها الانقسامات، مما يمثل مشكلة جديدة يدفع الصحفي ثمنها. فالجمهور قد يكون ضحية لـ"الصمت الكامن"، وقد يكون أيضًا أحد الفاعلين فيه. بناءً على متابعاته المهنية، اكتشف الكاتب أن الصحفيين باتوا ضحايا لأطراف متعددة. ودون الحاجة لضرب أمثلة من الصحافة الأجنبية التي تعاني المشكلة ذاتها، يمكننا النظر إلى واقع الصحافة والإعلام المحلي في سوريا.
خلال السنوات الماضية، صمت الصحفيون العاملون في وسائل الإعلام السورية، الحكومية والخاصة، عن كثير مما كان يجب أن يُكتب أو يُذاع. كانت هذه الوسائل تخضع غالبًا لرقابة السلطة، مع تحسن استثنائي وملحوظ خلال العام الأخير بعد سقوط نظام الأسد. أُجبر الصحفيون على قول ما تريده السلطة، أو تجنبوا قول ما يحرج مجتمعاتهم، مدفوعين بالخوف الأمني والاقتصادي ومحاولة إرضاء بيئاتهم. في حالات عديدة، تجنب صحفيون معروفون معالجة موضوعات قد يتسبب الكشف عن حقيقتها في إلحاق الأذى بأسرهم أو بصورتهم الاجتماعية. هذا لا ينفي وجود آخرين منعهم تعمد التستر، كونهم جزءًا من مجتمعاتهم ويتأثرون بأفكار جماعات فكرية أو دينية أو إثنية، كما يخشون العزلة بأكثر من اتجاه، بما في ذلك العزلة المهنية كالتوقيف عن العمل أو الطرد، والخوف من أن يصبح الصحفي مكروهًا في بيئته الاجتماعية، خاصة إذا كان ينتمي إلى أسرة ذات توجهات سياسية أو دينية تمارس العزل بحقه عند عدم تبنيه لأفكارها.
تضيف هذه الظروف الصحفيين إلى ضحايا "دوامة الصمت" (spirale du silence)، وهي نظرية في الاتصال الجماهيري وضعتها الباحثة الألمانية في العلوم السياسية، إليزابيث نويل نيومان. تشير النظرية إلى أن الأفراد يخشون العزلة والاستبعاد بسبب آرائهم، مما يدفعهم لالتزام الصمت وتجنب التعبير عن الرأي، كما تبرز دور الإعلام في فرض "الهيمنة" على الأفكار.
ترتكز نظرية "دوامة الصمت" على عدة افتراضات أساسية: أولًا، يهدد الخوف من العزلة الاجتماعية الأفراد، مما يجعلهم يتحفظون عن إبداء آرائهم، خاصة إذا أدركوا أنها لا تحظى بتأييد الآخرين. ثانيًا، تتفوق حاجة الأفراد إلى الانتماء على رغبتهم في التعبير عن آرائهم الحرة والمستقلة. ثالثًا، يراقب كل فرد البيئة الاجتماعية وسلوكيات الآخرين لإجراء استطلاعات سريعة حول مدى تأييد أو معارضة رأيه تجاه قضية ما. رابعًا، شعور الفرد بالانتماء إلى الأغلبية يجعله أكثر ميلًا لإبداء وجهات نظره. خامسًا، يميل الفرد إلى التواصل مع من يتفقون معه في الآراء. سادسًا، يحث الشعور بتقدير الذات الفرد على إبداء رأيه. سابعًا، تعد وسائل الإعلام مصادر رئيسة لنشر المعلومات ونقل مناخ التأييد أو المعارضة. ثامنًا، تميل وسائل الإعلام إلى التحيز في عرض الآراء، مما يؤدي إلى تشويه وتزييف الرأي العام. أخيرًا، يدرك بعض الأفراد أن رأيهم يخالف رأي الأغلبية، مما يدفعهم لتغيير آرائهم وفق السائد في وسائل الإعلام، أو يفضلون الصمت تجنبًا للضغوط الاجتماعية.
ظهرت أبحاث حديثة حول أثر وسائل التواصل الاجتماعي على نظرية "دوامة الصمت"، حيث وفرت هذه المنصات فرصًا متعددة للناس للتعبير عن مواقفهم وآرائهم. لكن الملاحظ أن هذا الفضاء غير المنضبط بات تحت تأثير قوى أكثر فوضوية، أبرزها "مؤثرون سلبيون" لديهم قدرة على الوصول إلى أعداد هائلة من المتابعين، وهو ما نراه بوضوح في سوريا دون الحاجة لذكر أسماء يعرفها الجمهور السوري جيدًا.
يتساءل الكاتب: هل يشارك الصحفي في خلق "دوامة الصمت"؟ نعم، يشارك بإرادته أو بالإكراه. وهل يقع ضحية لها؟ نعم، وقد يضطر للمسايرة، وهناك قلة من الشجعان الذين يقررون المغادرة ودفع الثمن. يوجه الكاتب رسالة لزملائه الصحفيين: إذا ارتكبت جماعتك التي تنتمي إليها انتهاكًا، فإن واجبك المهني يفترض الكشف عنه أو تجنب التستر عليه في عملك. في النهاية، أنت تحمل صفة صحفي لا صفة عربي أو كردي أو يساري أو يميني. وعندما تعجز عن أداء المهمة، جنّب نفسك التزييف واعتذر عن الانخراط فيه. كن ضحية ضمن "دوامة الصمت" أفضل من أن تكون جزءًا من إدخال الجمهور فيها. وفي النهاية، أنت بشر لك رأي أو تؤثر فيك قضية أو انتماء أو مجتمع أو أسرة، والأهم ألا يدخل كل هؤلاء معك إلى غرفة التحرير. وللحديث بقية.
سياسة
سياسة
اقتصاد
سياسة