الليرة السورية الجديدة تفشل في كسر قيود السحب المصرفي: أزمة ثقة وسيولة تتفاقم


هذا الخبر بعنوان "الليرة الجديدة لا تحل أزمة السيولة والسحب" نشر أولاً على موقع enabbaladi.net وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ١١ كانون الثاني ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
أبصرت الليرة السورية الجديدة النور في ظل تحديات اقتصادية متزايدة تشهدها سوريا بعد أكثر من عقد من الصراع والعقوبات الدولية. ورغم خطوة حذف صفرين من العملة القديمة، فإن هدفًا رئيسيًا من هذه العملية لم يتحقق بعد، وهو رفع القيود المفروضة على السحوبات المصرفية.
يواصل مصرف سوريا المركزي، بإدارته الجديدة بعد سقوط النظام السابق، فرض قيود صارمة على السحوبات النقدية من المصارف العاملة، ويُحكم قبضته على الإيداعات والحسابات المصرفية بمختلف أنواعها. هذا التقييد، الذي تعود جذوره إلى أعوام مضت، ظل قائمًا حتى بعد إطلاق العملة السورية الجديدة مطلع عام 2026، مما يثير تساؤلات عديدة حول أهدافه الحقيقية، وهو ما تناقشه عنب بلدي في هذا التقرير.
توجهت عنب بلدي بالسؤال إلى حاكم مصرف سوريا المركزي، عبد القادر الحصرية، حول إمكانية رفع القيود عن السحوبات المصرفية. أجاب الحصرية بأن "المصرف المركزي يعمل على هذا الأمر، وقد وعدتُ بأن نصل مع القطاع المصرفي إلى تحديد تاريخ لفتح سقف السحوبات المصرفية، ولكن خلال فترة استبدال العملة القديمة المحددة بـ90 يومًا قابلة للتجديد، لن نتحدث سوى عن استبدال العملة بمعزل عن أي قضية أخرى".
خلال مؤتمر صحفي عُقد في كانون الأول 2025 بمقر "المركزي"، للإعلان عن التعليمات التنفيذية للعملة السورية الجديدة، اعتبر الحصرية أنه مع مرور الوقت سيتم حل "أزمة السيولة النقدية"، كون ذلك من الآثار المباشرة لضخ الليرة السورية الجديدة في الأسواق. وأكد أيضًا على أهمية تعزيز قدرة القطاع المالي على استعادة الثقة به.
ذكّر الحاكم بالتعميم الصادر عن مصرف سوريا المركزي في أيار 2025، والذي سمح لأي شخص يودع أموالًا لدى المصارف العاملة بعد هذا التاريخ بسحب هذه الأموال في أي وقت يشاء. ودعا المواطنين الذين يحتفظون بالأوراق النقدية (البنكنوت) في منازلهم إلى إيداعها لدى المصارف، مشيرًا إلى أن الاحتفاظ بها أمر خطير، وأنه لا خيار سوى العودة للقطاع المصرفي واستعادة الثقة به.
أكد الحاكم أن "تلقي مبالغ من الكاش والاحتفاظ بها سيؤدي إلى أزمة سيولة كالتي نشاهدها، حيث يتم ضخ العملة بالقطاع المالي وتذهب إلى خارجه ولا تعود كودائع في البنوك". وكشف أن المركزي يعمل مع المصارف على إجراءات بهذا الشأن لاستعادة الثقة، وبالتالي هي "ليست أزمة ضخ سيولة فقط، بل هي أزمة ثقة".
شدد الحصرية في اجتماع مع مديري المصارف العامة والخاصة، في كانون الثاني الحالي، على "أهمية تعزيز واستعادة الثقة بالقطاع المصرفي لما لها من أثر مباشر في استقرار النظام المالي وزيادة فعالية السياسات النقدية، والمصارف تشكّل حلقة وصل أساسية بين المدخرات والاستثمارات، وتمويل العملية الإنتاجية وتحريك عجلة الاقتصاد، بما يسهم في دعم جهود النهوض بالبلاد خلال المرحلة المقبلة".
من الحقائق الاقتصادية "الصادمة" في سوريا، التي ألمح إليها حاكم مصرف سوريا المركزي، وجود رقم كبير من النقود خارج النظام المصرفي، وهو ما يعد مؤشرًا على أزمة الثقة بين المواطنين والبنوك. فقد ذكر أن "حجم النقد المتداول حاليًا في سوريا يبلغ نحو 42 تريليون ليرة سورية، بما يقارب 13 مليار قطعة نقدية، مقارنة بنحو تريليون ليرة فقط عام 2011".
يعكس وجود هذا الرقم من المليارات من القطع النقدية خارج النظام المصرفي السوري تفضيل المواطنين وأصحاب الفعاليات التجارية والصناعية وغيرها، اللجوء إلى النقد الملموس كإيداعات وأمانات، بدل الإيداع في المصارف. يفسر الخبير الاقتصادي والمالي الدكتور محمد تيسير الفقيه ذلك بأن "هذا الرقم الضخم من النقد خارج النظام المصرفي يعكس استمرار أزمة الثقة، فالمواطن يخشى عدم القدرة على سحب أمواله عند الحاجة، أو أن يجد أمواله فاقدة لقيمتها عند السحب الكامل".
أشار الأكاديمي السوري إلى أن تفضيل النقد خارج البنوك يعوق قدرة النظام المصرفي على ضخ السيولة في النشاطات الاقتصادية، ويدفع الكثيرين للجوء إلى السوق السوداء وتدوير الأموال خارج القنوات الرسمية.
قال الخبير محمد تيسير الفقيه إن موقف المصرف المركزي السوري من مسألة السحوبات المصرفية، بالاحتفاظ بالقيود عليها، لا يعد خيارًا بل ضرورة ملحة، بحسب رأيه. وأضاف أن السبب الرئيسي لاستمرار تقييد السحوبات هو منع سحب الودائع الجماعي، لأن النظام المصرفي يعاني أصلًا من نقص في السيولة واحتياطيات محدودة لا تكفي لتغطية الطلب الفوري، وأي تحرير مفاجئ قد يؤدي إلى انهيار مصرفي.
ويعكس هذا الكلام حقيقة أن المصارف السورية تواجه نقصًا حادًا في السيولة النقدية وليس السيولة المصرفية، وفقًا للدكتور الفقيه، حيث لا تتجاوز السيولة النقدية المتاحة داخل البنوك 15 إلى 20% من إجمالي الودائع، وهي نسبة أقل بكثير من المعايير النقدية العالمية التي تتراوح بين 30 و40%، ما يجعل الكثير من المودعين غير قادرين على سحب احتياجاتهم الكاملة بالوقت المطلوب.
كانت متغيرات التضخم في سوريا إحدى أهم الحقائق الاقتصادية في السنوات الأخيرة، وتمثل العائق الأكبر أمام تأمين السيولة النقدية للأسواق والتجار والصناعيين. فقد أظهرت البيانات الرسمية أن المعدلات التضخمية تراجعت مقارنة بالعام السابق، ولو أنها كانت ولا تزال تمثل عبئًا على الاقتصاد السوري.
بلغ معدل التضخم الإجمالي خلال الفترة من شباط 2024 حتى كانون الثاني 2025 نحو 46.7%، وهو يمثل انخفاضًا كبيرًا عن الفترة ذاتها من عامي 2023 و2024 إذ بلغت 119.7%. فيما سجل التضخم السنوي لشهر كانون الثاني 2025 نحو 6.4% مقابل 118.9% عن كانون الثاني 2024، وفق تقرير التضخم الأخير الصادر عن مصرف سوريا المركزي.
علّق الدكتور الفقيه على تراجع معدل التضخم لأكثر من النصف خلال العام 2025، مقارنة بالعام الذي سبقه 2024، بأنه "رغم تراجع التضخم السنوي، فإنه لا يزال مرتفعًا نسبيًا نتيجة ضعف الإنتاج المحلي وارتفاع تكاليف الاستيراد، وهذا يجعل أي ضخ سيولة غير منضبط أمرًا خطيرًا على استقرار الأسعار والقيمة الشرائية للعملة".
أشار الخبير ذاته إلى أن تراجع بعض مؤشرات التضخم يعود جزئيًا إلى زيادة المعروض من السلع، والتحسن النسبي في سعر الصرف بعد تحرير بعض السياسات النقدية، لكن الضغوط التضخمية لم تختفِ تمامًا بسبب ارتفاع تكاليف المواد المستوردة وضعف الإنتاج المحلي.
في 1 من كانون الثاني الحالي، أطلق مصرف سوريا المركزي العملة السورية الجديدة بحذف صفرين من القيمة الاسمية، في محاولة لتبسيط التعاملات المالية وتسهيل التداول. ولكن رغم هذا التغيير، بقيت القيود على السحوبات المصرفية سارية، وهو ما أثار تساؤلات أشار إليها الخبير الاقتصادي السوري.
أكد الدكتور الفقيه أن حذف الصفرين إجراء تقني لتسهيل التعاملات، لكنه لا يعني توفر سيولة غير محدودة. لذلك، فإن تعديل سقوف السحب لتتناسب مع العملة الجديدة هو إجراء احترازي مرحلي لحماية قيمتها ومنع استنزاف المخزون النقدي فورًا. وهنا يعطي الفقيه صورة واضحة بأن الهدف من القيود ليس معاداة العملة الجديدة بل حمايتها في المرحلة الانتقالية، إذ يُخشى من حدوث تدفق مفاجئ للنقد يؤدي إلى خلل في الأسواق قبل تعزيز الاحتياطيات الفعلية.
من آثار القيود الموجودة على السحوبات المصرفية، حسب الدكتور الفقيه:
وقال الدكتور الفقيه إن القيود على السحوبات المصرفية تضعف التدفق النقدي التشغيلي للشركات، وترفع تكاليفها التشغيلية، ما يجعل الكثير منها يتجه نحو الإغلاق أو السوق السوداء للحصول على السيولة.
أوضح الدكتور محمد تيسير الفقيه، استنادًا إلى بيانات ومؤشرات مصرف سوريا المركزي، أن القيود على السحوبات تسعى لحماية النظام المصرفي من الانهيار التام. وقال إن التضخم تراجع نسبيًا، لكنه لا يزال يفرض ضغوطًا حقيقية على الاقتصاد، وإن العملة الجديدة خطوة فنية لكنها لن تسد فجوة السيولة وحدها. كما أن استمرار السيولة خارج البنوك يعكس أزمة ثقة تحتاج إلى إصلاحات أعمق.
وخلص الخبير إلى أن "الاستقرار النقدي الحقيقي لا يُبنى فقط على اتخاذ الإجراءات التقنية، بل على إصلاح شامل يعيد الثقة للمودعين ويعزز السيولة في السوق بشكل تدريجي ومنضبط"، مع التأكيد على أن السحوبات المصرفية باتت ضرورة ملحة وليست رفاهية.
اقتصاد
اقتصاد
اقتصاد
اقتصاد