إلفة الإدلبي: قراءة معمقة في نسيج الحارات الدمشقية وقيمها قبل الحداثة


هذا الخبر بعنوان "إلفة الإدلبي و”الحارات الدمشقية” قبل تحولات الحداثة" نشر أولاً على موقع enabbaladi.net وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ١١ كانون الثاني ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
في كتابها "عادات وتقاليد الحارات الدمشقية القديمة"، تقدم الكاتبة إلفة الإدلبي شهادة سردية توثيقية فريدة لمدينة دمشق، حيث كانت الحياة تُدار بالعرف الاجتماعي والعلاقات الإنسانية قبل سيادة القانون والعمران الحديث. يتجاوز الكتاب مجرد الحنين أو الوصف الفولكلوري السطحي، ليُعيد تركيب الحياة اليومية في الحارات الدمشقية كمنظومة اجتماعية متكاملة، ذات قواعد وأدوار وتوازنات داخلية خاصة بها.
يتخذ الكتاب من الحارة الوحدة الاجتماعية الأساسية في دمشق القديمة، مبرزًا أنها لم تكن مجرد حي سكني، بل كانت إطارًا ناظمًا للعلاقات يحدد مكانة الفرد وسلوكه وحدود حريته ضمن الجماعة. كانت الحارة تمثل فضاءً للمراقبة المتبادلة والتكافل الاجتماعي، حيث يعرف الجميع بعضهم بعضًا، وغالبًا ما كانت الخلافات تُحل داخلها بعيدًا عن التدخل الرسمي.
يُسلط الكتاب الضوء بشكل خاص على البيت الدمشقي، ليس فقط كبناء معماري، بل كفضاء اجتماعي يعكس القيم السائدة. فتقسيماته الداخلية، والفصل بين الفضاءات الداخلية والخارجية، وبين الرجال والنساء، وبين الخاص والعام، جميعها مؤشرات على بنية مجتمع محافظ يمنح الخصوصية مكانة مركزية، ويجعل من العائلة النواة الأساسية للتنظيم الاجتماعي.
في سياق العلاقات الاجتماعية، توثق الإدلبي أنماط التواصل اليومي بين الجيران، من الزيارات المتبادلة وتبادل الطعام إلى المشاركة في الأفراح والأتراح. تبرز الحارة هنا كشبكة أمان اجتماعي قائمة على التضامن، لكنها في الوقت ذاته تفرض رقابة اجتماعية صارمة، لا سيما على النساء والشباب، حيث يُقاس السلوك بميزان السمعة قبل أي اعتبار آخر.
تحتل المرأة موقعًا محوريًا في الكتاب، فهي ليست مجرد فاعل هامشي، بل ركيزة أساسية للحياة اليومية داخل البيت والحارة. يُبرز الكتاب دور النساء في صون العادات ونقلها، وفي إدارة الشؤون المنزلية، وفي نسج العلاقات الاجتماعية، مع تسليط الضوء على القيود الصارمة التي كانت تحكم حركتهن وخياراتهن ضمن منظومة قيم أبوية راسخة.
يتطرق الكتاب أيضًا إلى المناسبات الاجتماعية والدينية، بدءًا من الزواج والولادة وصولًا إلى الموت، باعتبارها لحظات كاشفة للبنية الاجتماعية والطقوس والأدوار وتوزيع المسؤوليات. تعكس هذه المناسبات تراتبية واضحة وتؤكد مركزية الجماعة في مواجهة الفرد.
لا يغفل الكتاب كذلك الحديث عن المهن والحرف المرتبطة بالحارة، وعن حضور فضاءات عامة مثل السوق والجامع والمقهى، التي كانت تنظم إيقاع الحياة اليومية وتُنتج ثقافة مشتركة تتجاوز حدود البيت.
بشكل عام، يقدم كتاب إلفة الإدلبي قراءة معمقة لدمشق القديمة، لا تهدف إلى تجميل الماضي أو إدانته، بل تضعه في سياقه الاجتماعي والتاريخي الصحيح. إنه توثيق لذاكرة مدينة، ودراسة لمجتمع تشكل ببطء ثم بدأ يتفكك تدريجيًا مع ظهور تحولات الحداثة.
إلفة عمر باشا الإدلبي (1912-2007) هي كاتبة وأديبة سورية بارزة، ولدت في دمشق بحي الصالحية. تُعد الإدلبي من جيل أدب الخمسينيات السوري الذي شهد نهوضًا فكريًا وأدبيًا لافتًا، خصوصًا في مجال الأدب القصصي والروائي، وبرزت فيه العديد من الكاتبات بأسلوب فني رفيع. أثرت الأديبة السورية المكتبة العربية بمحتوى أدبي وثقافي مرموق، من خلال قصصها ورواياتها ودراساتها الأدبية التي تميزت بالواقعية والتركيز على الحياة الشرقية. وقد سجلت اسمها كواحدة من أبرز الأديبات السوريات في العالم العربي، وحصلت على العديد من شهادات التقدير والجوائز السورية والعالمية.
ثقافة
ثقافة
ثقافة
ثقافة