«ذيل» للؤي علي خليل: رواية نسوية عميقة تفكك الاستبداد برمزية الذيل وواقعية دمشق


هذا الخبر بعنوان "رواية “ذيل” للأديب لؤي علي خليل تسبح بين فضاءات الرمز والتوثيق الواقعي" نشر أولاً على موقع sana.sy وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ١٥ كانون الثاني ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
تُعد رواية "ذيل" للأديب لؤي علي خليل عملاً أدبياً سردياً نسوياً بامتياز، حيث تتكشف أحداثها على لسان البطلة ليلى. تتشكل البطولة النسائية في الرواية من ثلاث شخصيات محورية: الأم سلام، وابنتها ليلى، والعمة حليمة، اللواتي يمثلن معاً ذاكرة الحكاية والهوية السورية الجامعة.
تتميز الرواية ببراعة سردية تجمع بين التوثيق الواقعي لأهوال الاستبداد والتحولات السياسية التي شهدتها سوريا منذ ثمانينيات القرن الماضي وصولاً إلى تحرير دمشق، وبين فضاء حكائي غرائبي. يستمد هذا الفضاء الغرائبي من مرويات العمة حليمة وموروث كتب التراث، بالإضافة إلى عالم الأحلام والكوابيس الذي يشكل مسرحاً موازياً تتجسد فيه مخاوف البطلة ليلى من وراثة "الذيل" الذي سمعت أن أباها يحمله.
يُوظف هذا المزج البارع بين الواقعي والسحري (المتمثل في الذيل) والحلمي كأداة فنية لتعرية قبح سلطة النظام البائد وتفكيكها. تجعل الرواية من أصوات النساء الثلاث – بما يمتلكنه من ذاكرة وحب ومقاومة – نقيضاً وجودياً لعالم يهيمن عليه ذكور متوحشون، يمثلهم جميل ومن حوله. وتختتم السردية بانتصار الصوت النسوي وتحرر البلاد من "عشرية الذيول" وكوابيسها.
يتجلى "الذيل" في الرواية كرمز للسلطة القمعية وأتباعها، حيث تُبنى الرواية على الكناية لتفكيك بنية هذه السلطة من خلال استدعاء الموروث العجائبي وتوظيفه في سياق حداثي. يتحول "الذيل" بموجب هذا التوظيف من زائدة بيولوجية إلى بؤرة سيميائية تُفسر من خلالها منظومة القيم والسلوكيات الوحشية التي هيمنت على الواقع السوري لأربعة عقود. تقدم الرواية شخصيات انصهرت مع إجرام النظام البائد، أبرزها الأب جميل أبو شاليش، الذي يأتي من خلفية عسكرية متوحشة ذات بعد سياسي تشير إلى السلطة المستبدة، فيظهر كمسخ هجين يحمل ذيلاً مخفياً. تستند الرواية في ذلك إلى مرجعيات من كتب قديمة مثل "أخبار الزمان للمسعودي"، لترسيخ فكرة أن التشوه الخلقي لدى بعض البشر هو تجلٍ خارجي لتشوه أخلاقي جيني يرتبط بالمجرمين. يضع هذا الطرح القارئ أمام ديستوبيا واقعية فريدة، حيث يصبح الذيل علامة فارقة تقسم المجتمع إلى مساحتين: مساحة الضحية البشرية، ممثلة بالأم سلام والابنة ليلى بصفتهما تجسيداً للمجتمع السوري، ومساحة الجلاد المسخ الذي يمثل السلطة. يولد هذا التقسيم قلقاً وجودياً لدى الساردة ليلى حول هويتها الجينية وخوفها من احتمال أن ترث هذا الرجس: الذيل.
على المستويين السوسيولوجي والمكاني، تقدم الرواية نقداً جذرياً لسياسات الهندسة الديموغرافية التي اتبعها النظام البائد، والتي أحاطت دمشق الجميلة ومدناً أخرى بأحياء كاملة من السكن العشوائي. تحولت هذه العشوائيات إلى خزانات بشرية تفشت فيها مظاهر العنف والفساد والإجرام، ليغدو المكان بذلك شخصية فاعلة في السرد. ومن اللافت للنظر التحولات الدلالية التي طرأت على "الذيل" – الذي يمثل مركز الثقل الدلالي للرواية – في فصولها الأخيرة؛ إذ تحول من رمز للسطوة الأبدية إلى أثر بائد لحقبة سوداء طُويت صفحتها فعلياً بتحرير دمشق وانتصار الثورة. في هذه اللحظة الفارقة، تحولت المخلوقات ذات الذيول من كائنات أسطورية مخيفة إلى فلول هاربة خلفت وراءها إرثاً من القبح والدمار.
تُقدم الرواية نفسها كنص يتجاوز الزمن، يقرأ الواقع السوري الداخلي من زاوية نسقية-ثقافية، ويحول التجربة الفردية الأنثوية إلى حقل تأويلي لفهم آليات إعادة إنتاج القمع عبر اللغة، السكن، الجسد، العائلة، الجيش، والهوية. بذلك، تسد الرواية فجوة في السرديات السورية المعاصرة التي واكبت الثورة السورية واتجهت نحو التسجيل المباشر. فهي تعمل من داخل النص وفق بنى بلاغية كثيفة ومجازات متكاملة توحي أكثر مما تصرح، وتؤول أكثر مما تفسر، مما يجعلها نصاً ثقافياً بامتياز يستحق الدراسة والتأمل.
صدرت رواية "ذيل" عن دار موزاييك للدراسات والنشر عام 2025. أما مؤلفها، الأديب لؤي علي خليل، فهو من مواليد دمشق عام 1969، ويحمل درجة الدكتوراه في تخصص الأدب القديم. عمل في حقل التدريس الجامعي في سوريا والمملكة العربية السعودية وقطر. له عدة روايات منها "عين جورية" و"حمزة والهدهد"، وفي القصة "أشياء ضائعة" و"وجوه القلعة"، وفي الدراسات "عجائبية النثر الحكائي" و"الدهر في الشعر الأندلسي". وقد حاز على جوائز عديدة، منها جائزة سعاد الصباح للدراسات النقدية عام 1994، وجائزة اتحاد الكتاب العرب للدراسات النقدية عام 1995.
ثقافة
ثقافة
ثقافة
ثقافة