ظاهرة اختزال الدولة في سوريا: تحليل مقارن بين عهدي الأسد والشرع وتأثيرها على الهوية والمواطنة


هذا الخبر بعنوان "الدولة والسلطة والهوية.. تشريح ظاهرة “اختزال الدولة بالطائفة” في سوريا" نشر أولاً على موقع enabbaladi.net وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ١٨ كانون الثاني ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
يشير خالد المطلق إلى أن ظاهرة اختزال الدولة في طائفة حاكمة أو نخبة أمنية محددة تُعد من أبرز السمات التي هيمنت على المشهد السياسي السوري لعقود طويلة. هذه الظاهرة، التي لم تقتصر على حكم آل الأسد، تبدو وكأنها تتجدد مع كل تحول جذري أو انتقال للسلطة. ينطلق هذا التحليل من مقارنة بين حقبة حكم الأسد الأب والابن، والحقبة المحتملة تحت قيادة أحمد الشرع، مع التركيز على مفهوم تأليه السلطة وتأثيره على تغييب المرجعيات الدينية والاجتماعية.
منذ تولي حافظ الأسد مقاليد السلطة، أُسست الدولة السورية الحديثة على ركائز بعيدة عن مبادئ المواطنة المتساوية أو التمثيل الشامل، معتمدة على الركيزة الطائفية والهيكل الأمني. اعتمدت عائلة الأسد بشكل أساسي على الطائفة العلوية كعمود فقري للنظام، لا سيما في المناصب الحساسة ضمن الأجهزة الأمنية والمؤسسة العسكرية، مثل الحرس الجمهوري والفرق الخاصة. ورغم استقطاب شخصيات سنية أو مسيحية أو درزية للواجهة السياسية والخدمية، إلا أن جوهر اتخاذ القرار ظل محصورًا بنخبة علوية ضيقة من العائلة والمقربين. كان الهدف الأسمى هو ضمان الولاء المطلق للنظام، حيث أصبحت الطائفة العلوية الضامن والمستفيد الأكبر من بقاء النظام. وقد تم ذلك أيضًا عبر تأليه السلطة وتغييب الدين، حيث رسخ حكم الأسد مبدأ أن “السلطة هي الدولة وهي مكان الرب”، وهي عبارة تلخص جوهر النظام الشمولي. تحول الولاء للقائد إلى ما يشبه العقيدة الدنيوية، وأصبحت مؤسسات الدولة، وخاصة حزب البعث، هي المرجعية العليا والوحيدة. نتج عن ذلك تغييب ممنهج لدور رجال الدين، سواء العلويين أو السنة، كمرجعيات اجتماعية مستقلة. تحولت المؤسسات الدينية إلى أداة في خدمة السلطة، تُستخدم لإصدار الفتاوى المؤيدة أو لتوجيه الخطاب العام، بدلًا من أن تكون مصدرًا مستقلًا للقوة المعنوية أو الإرشاد الاجتماعي. في هذا السياق، لم يكن هناك مجال لمرجعية دينية مستقلة تنافس سلطة الزعيم أو تحاسب الدولة، مما أدى إلى تفكيك جزء كبير من النسيج الاجتماعي المستقل عن الدولة.
مع سقوط نظام الأسد وصعود أحمد الشرع، زعيم هيئة تحرير الشام، يبرز تساؤل جوهري حول إمكانية تكرار المشهد، ولكن هذه المرة بهوية طائفية معكوسة، عبر إحلال نخبة وركيزة طائفية جديدة. من الواضح أن حكم الشرع يعتمد بشكل كبير على الأيديولوجيا والبيئة التي نشأ فيها، مستندًا إلى الطائفة السنية ليس فقط كأغلبية سكانية، بل كقاعدة صلبة للقوة والأمن. يُحتمل أن تحل نخبة جديدة، ربما من داخل التنظيم أو من الفصائل المقربة، والتي ستكون سنية بالضرورة، محل النخبة العلوية في مفاصل الدولة الجديدة. يُخشى أن يتحول هذا “التمكين” إلى “اختزال للدولة” في مصالح وقواعد هذه الطائفة، مما يؤدي إلى تهميش أو إقصاء أبناء السنة المعتدلين والمكونات الأخرى كـ العلويين، والدروز، والمسيحيين، والإسماعيلية، وبالتالي إعادة إنتاج دورة الصراع والهيمنة. وعلى النقيض من النظام العلماني الشمولي للأسد، يسعى حكم الشرع إلى إقامة نموذج تكون فيه السلطة “شرعية” إسلاميًا. لكن الخطر يكمن في إمكانية تحول هذه “الشرعية الدينية” إلى أداة لتأليه السلطة، حيث يصبح الحاكم “ولي الأمر” الذي لا يُنازع، وتصبح قراراته ملزمة دينيًا ودنيويًا. وبدلًا من تغييب رجال الدين، قد يتم استيعابهم وإخضاعهم لخدمة السلطة السياسية، فتصبح المرجعية الدينية التي تخدم الحاكم هي المرجعية الوحيدة المسموح بها، بينما يتم تغييب رجال الدين المستقلين أو المعارضين كمرجعيات اجتماعية حقيقية.
في كلا النموذجين، سواء في عهد الأسد أو الشرع، يظل الهدف المشترك هو منع ظهور أي مرجعية اجتماعية مستقلة، دينية كانت أم مدنية، يمكن أن تشكل قوة موازية أو تراقب سلطة الدولة.
خلاصة القول، تُظهر المقارنة بين النموذجين أن المشكلة الأساسية في بناء الدولة السورية لا تكمن فقط في هوية الطائفة الحاكمة، سواء كانت علوية أو سنية، بل في مفهوم الدولة ذاته. إنها دولة تعتبر السلطة فوق القانون والمواطنة، وتصر على اختزالها في فئة ضيقة تتحكم بالقرار والأمن. وسواء تم اختزال الدولة في نخبة علوية أمنية تفرض علمانية قسرية، أو في نخبة سنية إسلامية تفرض شرعية دينية مغلقة، فإن النتيجة واحدة: تغييب المواطنة المتساوية، تأليه السلطة، وتفكيك القوى الاجتماعية المستقلة، بما في ذلك المرجعيات الدينية، لمنعها من أن تكون رقيبًا أو شريكًا في بناء المجتمع والدولة. التحدي الحقيقي لسوريا المستقبل هو الخروج من دائرة اختزال الدولة بالطائفة، وبناء عقد اجتماعي جديد يفصل بوضوح بين الدولة والمواطنين والمرجعيات المستقلة.
سياسة
سياسة
سياسة
سياسة