كلية الشريعة بجامعة دمشق: تاريخ عريق، ريادة أكاديمية، وصمود في وجه التحديات


هذا الخبر بعنوان "كلية الشريعة في جامعة دمشق.. استمرارية مؤسسية وهوية أكاديمية" نشر أولاً على موقع sana.sy وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٢٢ كانون الثاني ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
تُشكل كلية الشريعة في جامعة دمشق صرحاً أكاديمياً رائداً، لطالما اضطلعت بدور محوري في ترسيخ العلوم الشرعية على مستوى التعليم الجامعي في العالم الإسلامي. وقد رسخت الكلية مكانتها كمرجعية إقليمية بفضل تاريخها العريق، ومنهجيتها العلمية الرصينة، والكفاءات الأكاديمية المتميزة التي تخرجت من جنباتها.
شهد عام 1954 تأسيس الكلية بمبادرة من المفكر والعالم البارز مصطفى السباعي. وقد استثمر السباعي موقعه الأكاديمي في كلية الحقوق بجامعة دمشق، بالإضافة إلى دوره النيابي وتأثيره العام، لتحقيق رؤية مؤسسية تهدف إلى دمج العلوم الشرعية ضمن الإطار الجامعي الحديث. وبعد جهود تحضيرية علمية وإدارية مكثفة، أُعلن رسمياً عن تأسيس الكلية، ليُشكل ذلك منعطفاً تاريخياً في مسيرة التعليم الشرعي في سوريا، حيث أُدرجت هذه العلوم لأول مرة بشكل كامل ضمن النظام الجامعي.
استند هذا المشروع المؤسسي إلى أرضية فكرية مهدت لها محاولات سابقة، أبرزها مدرسة الآداب العليا التي تأسست عام 1929 بقيادة الشيخ بهجت البيطار. وفي العشرين من نيسان عام 1955، أُقيم حفل الافتتاح بحضور رئيس الدولة آنذاك هاشم الأتاسي، إلى جانب عدد من كبار المسؤولين وممثلين دبلوماسيين أجانب. وفي كلمته الافتتاحية، بصفته أول عميد للكلية، أكد مصطفى السباعي على أن رسالة الكلية ترتكز على الأصالة العلمية، والانضباط المنهجي، وتعزيز التفكير النقدي.
تتبنى كلية الشريعة في جامعة دمشق رؤية تعليمية متكاملة، تمزج بين العلوم الإسلامية الكلاسيكية والمناهج الأكاديمية الحديثة. وتغطي برامجها الأكاديمية مراحل الإجازة الجامعية، والدراسات العليا، وصولاً إلى الدكتوراه. ولا يقتصر تركيز الكلية على التأهيل المهني فحسب، بل يمتد ليشمل تعزيز البحث العلمي وتنمية الكفاءة المنهجية. وتهدف هذه المقاربة إلى إعداد كوادر أكاديمية تتمتع بفهم عميق للمصادر التراثية، وقادرة على التفاعل بفاعلية مع النقاشات الفكرية المعاصرة.
في السنوات الأخيرة، خضعت البرامج الأكاديمية لتحديث شامل، أعاد ربط العلوم الشرعية بمجالات حيوية كالقانون، والاقتصاد، والقضايا المجتمعية الراهنة. وتعمق هذا التوجه ليشمل محاور أساسية مثل القرآن الكريم وعلوم الحديث، والعقيدة والأديان، والفقه الإسلامي وأصوله، والاقتصاد الإسلامي والمصارف التشاركية، بالإضافة إلى محور الشريعة والقانون. وقد أسهم هذا التطور في ترسيخ مكانة الكلية كمركز فكري رائد يقدم مقاربات علمية مبتكرة للقضايا المعاصرة، متجاوزة دورها كناقل للتراث.
تجسدت الهوية الأكاديمية المتميزة للكلية بفضل الإسهامات الجليلة لنخبة من العلماء البارزين الذين عملوا فيها. ومن أبرز هؤلاء الفقيه المعروف وهبة الزحيلي، والمرجع في علوم الحديث ونقد الإسناد نور الدين عتر، بالإضافة إلى محمد عبد الغني الدقر ومصطفى البغا. وقد أسهم هؤلاء الأعلام في ترسيخ العمق المنهجي والدقة العلمية التي تميزت بها الكلية.
لقد نجح هؤلاء العلماء في إحداث توازن دقيق بين النصوص الكلاسيكية الأصيلة والمناهج الأكاديمية الحديثة، مما وجه المسار التعليمي بعيداً عن الجمود التقليدي، نحو آفاق نقدية وإنتاجية. وقد عزز هذا الإرث العلمي مكانة الكلية على الصعيدين الإقليمي والدولي.
تخلل التاريخ الحديث للكلية مرحلة تأثرت فيها الحياة الأكاديمية بضغوط سياسية. وفي هذا السياق، أشار الدكتور تيسير خميس العمر، الذي سبق له العمل مدرساً في الكلية، إلى أن فترة النظام المخلوع شهدت تعيينات لم تستند إلى الكفاءة، بالإضافة إلى إجراءات أمنية وقرارات فصل ومنع من السفر، مما أضر بالمناخ الأكاديمي. كما تم إبعاد عدد من أعضاء الهيئة التدريسية بقرارات اعتبروا بموجبها "مستقيلين حكماً"، وفقد بعض الأكاديميين حياتهم في السجون. ومع ذلك، تمكنت الكلية من الحفاظ على الحد الأدنى من هويتها العلمية واستمراريتها.
وقد تجلى هذا الصمود في الحضور الدولي للكلية، وهو ما يؤكده الأكاديمي التركي حكمت أتان، الذي تلقى تعليمه في دمشق ويعمل حالياً في جامعة باندرما أونيدي أيلول. ويشدد أتان على عمق التجربة التعليمية في الكلية والمستوى الرفيع لكادرها الأكاديمي. كما تُبرز شهادات الخريجين أن الكلية كانت بمثابة فضاء علمي متعدد الثقافات، استقطب طلاباً من مناطق جغرافية متنوعة، وأتاح لهم فرصة معايشة البعد العالمي للعلوم الإسلامية.
واليوم، تستمر كلية الشريعة في جامعة دمشق في الحفاظ على مكانتها كإحدى المؤسسات الرائدة التي تجسد الاستمرارية المؤسسية للتعليم الشرعي الأكاديمي في العالم الإسلامي. وهي بذلك تحافظ على صلتها الوثيقة بالتراث، وتواكب في الوقت ذاته متطلبات البحث العلمي المعاصر، مرتكزة على الإنتاج المعرفي والصرامة المنهجية.
سوريا محلي
سوريا محلي
سوريا محلي
سوريا محلي