فيكتور هوغو والإسلام: لقاء القرآن الذي كسر نمطية الغرب وغيّر رؤية عملاق الأدب الفرنسي


هذا الخبر بعنوان "فيكتور هوغو والقرآن.. لقاء متأخر غيّر نظرة أعظم أدباء فرنسا للإسلام" نشر أولاً على موقع syriahomenews وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٢٣ كانون الثاني ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
لطالما اتسمت الكتابات الغربية عن الإسلام بالخوف أو التشويه أو الفضول السطحي، مما رسخ صوراً نمطية وأحكاماً مسبقة في المخيال الأوروبي، تراوحت بين «الآخر الغريب» و«العدو الثقافي». لكن وسط هذه الرؤى، برزت أصوات نادرة اختارت التأمل والاقتراب، ومن أبرزها فيكتور هوغو، الشاعر والروائي الفرنسي العظيم. فقد رأى هوغو في الإسلام تجربة إنسانية وروحية عميقة، جديرة بالدراسة كجزء من رحلته الفكرية للبحث عن المعنى الكوني للحياة والموت والروح والحرية.
لم يكتب صاحب «البؤساء» و«أحدب نوتردام» كتاباً مباشراً عن الإسلام، بل أدمج هذا الدين في شعره كقوة أخلاقية وحضارة أسهمت في تشكيل الوعي الإنساني، تاركاً أثراً عميقاً في التاريخ. في نصوصه، لم يظهر الإسلام كـ«آخر» غريب، بل كنبع للإجابات عن أسئلته الوجودية حول الوجود والعدالة والنور والمسؤولية الإنسانية. وعلى عكس العديد من الأدباء الغربيين الذين انحازوا ضد الإسلام، مثل جان شاردان وإدوارد غيبون وألكسندر بوب، كان هوغو من القلة التي حاولت مقاربة الإسلام كتجربة روحية مكتملة.
في زمن كانت أوروبا تنظر فيه إلى الشرق بريبة أو تفوق، رأى هوغو في الإسلام ديناً للتوحيد والكرامة، وفي النبي محمد ﷺ شخصية إنسانية تحمل عبء الرسالة، لا أسطورة مشوهة أو رمزاً للعداء. هذا التصور المبكر كسر جدار الصمت وسوء الفهم بين الغرب والإسلام في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر.
تكتسب دراسة الإسلام في أعمال هوغو أهمية تتجاوز الفضول التاريخي، لتصبح مسعى لفهم قدرة الأدب على فتح آفاق للحضارات الأخرى، وإتاحة رؤية مشتركة بين البشر. هذا ما تناوله الباحث الفرنسي لويس بلان في كتابه «فيكتور هوغو والإسلام»، الصادر عن دار «إريك بونييه» الباريسية للنشر. يوضح بلان في كتابه، الذي ترجمته إلى العربية د. زهيدة درويش جبور، أن اهتمام هوغو بالإسلام كان تأثيراً ثقافياً وروحياً عميقاً، لا اعتناقاً دينياً، وقد منحه الإسلام موارد فكرية وأدبية ثرية لتطوير أسئلته الكبرى.
ولد فيكتور ماري هوغو (1802-1885) في باريس لأسرة متوسطة لم تولِ اهتماماً كبيراً للممارسة الدينية، في فترة تحولات عميقة أعقبت الثورة الفرنسية (1789). نشأ في بيئة كاثوليكية، لكن رؤاه الدينية تطورت نحو روحانية منفتحة على أسئلة الوجود والمعنى، مبتعداً تدريجياً عن العقائد التقليدية، مما جعله في وضع فريد بين أدباء عصره.
تلفت المترجمة في مقدمة الطبعة العربية، الصادرة عن «المنظمة العربية للترجمة» بالتعاون مع منشورات «مؤسسة شاعر الفيحاء سابا زريق الثقافية» ومراجعة الدكتور جان جبور، إلى أن أعمال هوغو المبكرة لم تخلُ من إشارات الخوف من الإسلام ونظرة استعلائية متأثرة بالمنطق الاستعماري والمركزية الأوروبية.
المنعطف الأساسي في مسار هوغو الديني حدث في سن 44، عندما قرأ ترجمة للقرآن الكريم، مما شكل له صدمة فكرية وأدبية ومحطة مفصلية. لم ينظر إلى القرآن كنص ديني فحسب، بل كعمل لغوي وروحي فريد، مبهراً في صوره وعمق معانيه وقوة خطابه الأخلاقي. أدهشته لغة القرآن المكثفة التي تجمع بين السمو الروحي والبلاغة الشعرية، فوجد فيها نموذجاً جديداً لفهم العلاقة بين الإنسان والكون. ترك هذا اللقاء أثراً واضحاً في كتابات هوغو اللاحقة، خاصة في تعاطفه مع المظلومين واهتمامه بالرحمة والعدل الإلهي. في قصيدته «السنة التاسعة للهجرة»، صور النبي محمد ﷺ في أيامه الأخيرة كرجل يحمل صلابة العقيدة وإنسانية الدعوة.
يثير اقتراب فيكتور هوغو من الإسلام فضول القارئ، خاصة كونه أحد أعمدة الأدب الغربي في القرن التاسع عشر، وفي زمن سادت فيه العصبيات الدينية والعرقية. لم يكن اهتمامه بالإسلام سطحياً، بل نتاج تجربة شعورية وفكرية عميقة أثرت في رؤيته للإنسان والعدالة والروحانية. فقد رأى في الإسلام مصدراً غنياً للتأمل، ومرآة تعكس الرحمة والمسؤولية الإنسانية التي تجسدت في تعاليم الدين الحنيف.
من أشهر نصوصه الشعرية التي تناولت الإسلام ديوانه «أسطورة القرون»، وقصيدته «السنة التاسعة للهجرة» التي تصور النبي محمد ﷺ بصلابة العقيدة وإنسانية الدعوة. تضم المجموعة أيضاً قصائد مثل «محمد» و«شجرة السدر»، التي تشهد على اهتمامه بالجانب الروحي للقرآن وجماليات اللغة العربية وموسيقى نصوصه. تخلو هذه النصوص من لغة الاستعلاء أو التهكم أو «الغرابة الشرقية» التي ملأت كتابات معاصريه، بل هي مشحونة بالصور الكونية كـالصحراء والسماء والنور والصمت والوحي، كأن الإسلام في مخيلة الأديب الفرنسي الشهير ليس مجرد جغرافيا أو تاريخ، بل حالة وجودية تتقاطع مع أسئلته الكبرى عن الإنسان والمصير.
لم يأت تأثير الإسلام على هوغو من النصوص الإسلامية وحدها، بل أيضاً من الأدب الفرنسي المعاصر الذي تناول الإسلام أحياناً من منظور روحي أو أخلاقي، مثل ألفونس دو لامارتين وألكسندر دوما، مما ساهم في تشكيل خلفية ثقافية سمحت لهوغو بالاقتراب من الإسلام بطريقة متأنية وبصيرة واسعة. تكمن قوة نصوص هوغو في صدق إعجابه ووضوحه، فهو لا يوحي بأنه اعتنق الإسلام، بل يعبر عن إعجاب ثقافي وروحي نابع من تأمل وقراءة حرة. هوغو يتكلم بلسان المثقف الحر الذي يرى في الإسلام قيمة إنسانية كبرى تستحق الاحترام والاستماع.
قد يكون الإسلام الذي قدمه هوغو «مفلترًا» عبر رؤيته الفلسفية، فهو «إسلام الفكرة والرمز» لا الإسلام التاريخي، لكن هذه ليست نقطة ضعف، بل هي طبيعة أي عمل أدبي عابر للثقافات. لفهم علاقته بالإسلام، يجب وضعها في سياق الاستشراق الأوروبي في القرن التاسع عشر، حيث تجاوز هوغو النظرة السطحية، وكتب عن الإسلام باحترام وعمق من منظور إنساني وروحاني يتجاوز الحواجز العقائدية الصارمة.
يمثل شعر هوغو نافذة على ثقافة أخرى، تدعو إلى الحوار بعيداً عن السياسة والخوف والصور النمطية. فقد استخدم هوغو الشعر والفكر لتقريب الثقافة الإسلامية من القارئ الغربي، مبرزاً القيم المشتركة والإنسانية والأخلاق والعدالة. وجد هوغو في النصوص الإسلامية إجابات عن أسئلة وجودية لم يجدها في المسيحية التقليدية، مما أثر بعمق على شعره ونصوصه. كما أن احترامه للنبي محمد ﷺ وتجسيده لصورته الإنسانية والأخلاقية شكل نموذجاً نادراً في الأدب الغربي.
من هنا، يصبح كتاب لويس بلان عن هوغو والإسلام أكثر من دراسة نقدية؛ إنه دعوة لقراءة الأدب كمسار لفهم الآخر، وإعادة التفكير في تاريخ العلاقة بين الغرب والإسلام بعيداً عن الصور النمطية والأحكام المسبقة والصراع الحضاري. في الختام، «فيكتور هوغو والإسلام» شهادة على قدرة الأدب على تجاوز الحواجز الثقافية والدينية، وأن الشعر والفكر يمكن أن يكونا جسوراً حيث تفشل السياسة. يظل فيكتور هوغو شاهداً على إمكانية الحوار بين الحضارات، فالإسلام في نصوصه تجربة إنسانية وروحية، مصدر إلهام وتأمل، ودليل على أن الاحترام والفهم بين الثقافات ممكنان حتى في أعمق تجارب الإبداع الأدبي. ويجد القراء العرب والأوروبيون في هذا الإرث فرصة لإعادة النظر ليس فقط في هوغو، بل في الطريقة التي نقرأ بها الآخر ونقرأ بها أنفسنا.
ثقافة
ثقافة
ثقافة
ثقافة