بعد تحولات الشمال السوري: السويداء بين خيارات الاندماج ومخاطر تكرار سيناريو "قسد"


هذا الخبر بعنوان "بعد أحداث الشمال السوري.. هل تسير السويداء على خطى "قسد"؟" نشر أولاً على موقع hashtagsyria.com وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٢٣ كانون الثاني ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
شهد مطلع عام 2026 نجاح الحكومة السورية، بقيادة الرئيس الانتقالي أحمد الشرع، في استعادة السيطرة على مناطق واسعة في الشمال السوري. جاء ذلك على حساب قوات سوريا الديمقراطية (قسد)، التي كانت الحليف الأبرز لواشنطن خلال سنوات الحرب على تنظيم داعش. هذا التطور جاء بعد أشهر من التوتر وفشل محاولات دمج "قسد" ككيان سياسي وعسكري مستقل ضمن مؤسسات الدولة السورية. تصاعد التوتر إلى مواجهات عسكرية انتهت باتفاق لوقف إطلاق النار، منح "قسد" بموجبه مهلة للتفاوض بشأن آلية الاندماج، مع الإبقاء على شكل محدود من الإدارة المحلية في بعض المناطق.
يعكس هذا التحول تغيراً ملحوظاً في المقاربة الأمريكية، التي بدت وكأنها تتراجع عن دعم "قسد" كحليف استراتيجي طويل الأمد. وبدلاً من ذلك، فضلت واشنطن التعامل مع الحكومة السورية الجديدة كشريك أكثر قدرة حالياً على تحقيق المصالح الأمريكية في سوريا والمنطقة. لا يقتصر تأثير هذا التحول على الشمال السوري فحسب، بل يمتد ليشمل الجنوب، وتحديداً محافظة السويداء، التي تشهد قطيعة سياسية مع دمشق منذ صيف عام 2025.
بدأت أحداث السويداء في 13 تموز 2025 باشتباكات بين مسلحين دروز ومقاتلين من البدو، ثم توسعت المواجهات بتدخل القوات الحكومية إلى جانب مجموعات عشائرية. أسفرت هذه الاشتباكات عن سقوط أكثر من ألفي قتيل، غالبيتهم من أبناء الطائفة الدرزية. تم التوصل إلى وقف لإطلاق النار بعد تدخل عسكري إسرائيلي استهدف قيادة الأركان في قلب العاصمة دمشق ومحيط القصر الرئاسي.
منذ ذلك الحين، تعيش السويداء حالة قطيعة سياسية شبه كاملة مع الحكومة المركزية، حيث اقتصرت الاتصالات على الجوانب الإنسانية وتلبية الاحتياجات اليومية من وقود وغذاء ودواء عبر منظمات دولية. دفعت الأحداث والانتهاكات التي طالت الدروز القيادات الدينية والاجتماعية، وعلى رأسها الشيخ حكمت الهجري شيخ عقل الطائفة، إلى إعلان القطيعة مع دمشق والمطالبة بكيان مستقل للسويداء بضمانات وحماية دولية. وفي هذا السياق، تم الإعلان عن تشكيل قوة مسلحة موحدة تحت مسمى "الحرس الوطني" بهدف حماية المحافظة من أي تدخل عسكري حكومي محتمل.
يرى مراقبون أن التطورات في الشمال السوري، خاصة ما يوصف بـ "شبه التخلي" الأمريكي عن "قسد"، تفرض على قيادات السويداء إعادة تقييم رهاناتها السياسية. فالنموذج الكردي، الذي اعتمد على مظلة حماية دولية، يواجه اليوم واقعاً مغايراً مع تغير أولويات واشنطن، مما يضعف فرضية الاعتماد على دعم خارجي طويل الأمد.
على الرغم من تأكيد الشيخ الهجري في تصريحات منسوبة له، بما في ذلك مقابلة مع صحيفة "يديعوت أحرونوت"، أن العلاقة مع دمشق "أصبحت مستحيلة"، إلا أن هذا الموقف قد يواجه اختباراً جدياً في ظل التطورات المتسارعة. ملف السويداء، الذي دخل حالة من الجمود منذ توقيع اتفاق ثلاثي أمريكي–سوري–أردني في عمّان في أيلول الماضي لحل أزمة المحافظة، عاد ليطفو على السطح خلال المباحثات السورية–الإسرائيلية التي استضافتها باريس مطلع كانون الثاني الجاري. وتشير معلومات إلى أن ملف السويداء شكّل إحدى نقاط الخلاف الرئيسية. وبحسب تسريبات، طالبت إسرائيل بممر لوجستي نحو السويداء لدعم الدروز، وهو ما قوبل برفض سوري قاطع، مما يؤشر إلى حساسية الملف وتعقيداته الإقليمية.
تتعارض التطورات الأخيرة مع قراءة الشيخ الهجري التي كانت تشير إلى اتجاه سوريا نحو التقسيم أو الفدرلة. فالمشهد الحالي يوحي بأن دمشق، بدعم دولي وإقليمي تقوده واشنطن وأنقرة، تسعى إلى بسط سيطرتها على كامل الجغرافيا السورية. في هذا السياق، تواجه السويداء اليوم خيارين رئيسيين:
الخيار الأول: إعادة ضبط الخطاب السياسي والقبول بالاندماج ضمن الدولة السورية، مقابل ضمانات دستورية وحقوق محلية واضحة، على غرار ما يُطرح للأكراد.
الخيار الثاني: المضي قدماً نحو المطالبة بإقليم مستقل تحت حماية إسرائيلية مباشرة، بناءً على قناعة لدى بعض القيادات بأن تل أبيب قادرة أو راغبة في لعب هذا الدور.
لكن الخيار الثاني محفوف بالمخاطر، إذ أن أي خطوة إسرائيلية واسعة في الجنوب السوري قد تصطدم بالسياسة الأمريكية المستجدة، التي تعتبر الحكومة السورية الحالية الشريك البديل عن "قسد"، ولا تبدو مستعدة للتسامح مع مسارات قد تعقّد هذا التوجه. أي قراءة واقعية لمستقبل السويداء تتطلب التوقف عند مواقف اللاعبين الدوليين المؤثرين، وفي مقدمتهم الولايات المتحدة وإسرائيل، باعتبارهما صاحبي التأثير الأكبر في معادلات الجنوب السوري.
إن قراءة موقف إسرائيل من صمتها حيال مصير الأكراد في الشمال تعزز المخاوف الدرزية. فتل أبيب، من هذا المنظور، لا تتحرك بدافع حماية الأقليات بقدر ما تحكمها حسابات أمنية مباشرة. تبدو تصريحاتها المنتقدة للعمليات السورية في مناطق كردية أقرب إلى دعم سياسي رمزي، يوازن بين الخطاب الحقوقي وأولويات الأمن القومي.
أما واشنطن، فقد أكدت تصريحات مبعوثها الخاص إلى سوريا، التي شددت على ضرورة دمج "قسد" داخل الدولة السورية، عملياً أن زمن الرهانات على الحماية الدولية المفتوحة قد انتهى، وأن التحالفات تخضع لتبدل المصالح لا لثبات الالتزامات.
تشير المعطيات الراهنة إلى أن دمشق تتقدم بخطى ثابتة نحو استعادة السيطرة على كامل الأراضي السورية، مستفيدة من تحولات في مواقف القوى الدولية والإقليمية، ولا سيما الولايات المتحدة، بينما تراقب إسرائيل المشهد بحذر دون انخراط مباشر. بالنسبة للسويداء، تبدو المحافظة أمام اختبار جدي، خاصة مع عودة محافظ السويداء لتكثيف خطابه السياسي الموجه إلى أبناء المحافظة، مؤكداً على ضرورة التزام الحوار لحل الخلافات وأن الوطن يتسع للجميع رغم الاختلافات السياسية.
لذلك، يبقى السيناريو الأضعف هو تكرار تجربة الشمال، أي ترك قوة محلية بلا غطاء دولي كافٍ في مواجهة الدولة المركزية. أما السيناريو الأكثر واقعية لتجنب الصدام، فيكمن في اندماج سياسي منظم ضمن الدولة السورية، مدعوم بضمانات حقوقية وضغوط إقليمية، بما يحفظ خصوصية المحافظة ويجنبها مغامرات غير محسوبة الكلفة.
سياسة
سوريا محلي
سياسة
سياسة