الفهد لحيدر حيدر: رواية خالدة تفكك صراع الفرد مع السلطة والمجتمع


هذا الخبر بعنوان "“الفهد” لحيدر حيدر.. حين يتحول الفرد إلى خصم للسلطة والمجتمع" نشر أولاً على موقع enabbaladi.net وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٢٥ كانون الثاني ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
تُقدم رواية "الفهد" للكاتب السوري الراحل حيدر حيدر، رؤية مبكرة وعميقة لمشروعه الروائي الذي سعى من خلاله إلى تفكيك العلاقة المعقدة بين الإنسان العربي والسلطة، وبين الذات والحرية. هذه الرواية، التي تتميز بقصرها وكثافتها وحدة طرحها، تضع القارئ أمام تساؤل جوهري لا يزال صداه يتردد حتى اليوم: ما الذي يمكن أن يحدث عندما يرفض فرد واحد الانصياع للقطيع؟
تدور أحداث الرواية حول شخصية "أبو علي" الذي يُعرف بـ "شاهين"، وهو فلاح متمرد يعيش في قرية ساحلية سورية. يرفض "أبو علي" الخضوع للسلطة الإقطاعية والوجهاء المحليين الذين يفرضون نفوذهم. "الفهد" ليس بطلًا تقليديًا بالمعنى المتعارف عليه، ولا هو مناضل سياسي ذو أجندة واضحة، بل هو فرد يغمره الغضب، يرى الظلم اليومي ويصطدم به بشكل مباشر، لكنه يفتقر إلى الأدوات المنظمة للمواجهة. ينبع تمرده من إحساس عميق بالمهانة والقهر المتراكم، ومن إدراكه أن النظام القائم لا يترك للفقراء سوى خيارين: الطاعة أو العقاب.
تُظهر الرواية أن السلطة لا تتجسد فقط في الدولة المركزية، بل تتجلى أيضًا في الإقطاع، والمخاتير، ورجال النفوذ المحليين. هؤلاء يفرضون سيطرتهم عبر العنف والتحالف مع الخوف السائد في المجتمع. في مواجهته لهم، يتحول "الفهد" إلى كائن مرفوض ومطارد ومتهم باستمرار، ليس فقط بسبب تمرده، بل لأنه تجرأ على كسر القاعدة غير المكتوبة: الصمت.
تعتمد "الفهد" على لغة مباشرة، قاسية أحيانًا، ومجردة من التجميل البلاغي، وهو ما يتوافق تمامًا مع طبيعة الشخصية والبيئة التي تدور فيها الأحداث. يتقدم السرد عبر مشاهد متوترة تكشف تدريجيًا كيف يتحول التمرد الفردي إلى عزلة خانقة، وكيف يصبح الخارج عن الطاعة عبئًا حتى على مجتمعه نفسه. أما القرية، التي يُفترض أن تكون حاضنة لأبنائها، فتظهر في كثير من الأحيان شريكة في القمع، إما بدافع الخوف أو بالتواطؤ الصريح.
من أبرز الأسئلة التي تطرحها الرواية هو حدود التمرد الفردي. فـ "الفهد" يقاوم بشدة، لكنه يظل وحيدًا، محاصرًا بين سلطة أقوى منه ومجتمع عاجز عن كسر حاجز الخوف. هنا، لا تمجد الرواية البطل ولا تحوله إلى رمز نقي، بل تقدمه بوصفه إنسانًا مأزومًا، يحمل غضبه واندفاعه، ويصطدم بجدار الواقع الصلب الذي لا يلين.
لا يقدم حيدر حيدر في "الفهد" خلاصة نهائية أو إجابات قاطعة، بل يترك القارئ أمام طرح مفتوح: هل يمكن للفرد وحده أن يغير واقعًا كاملًا؟ أم أن التمرد، عندما يبقى معزولًا، يتحول إلى هزيمة أخرى تضاف إلى سلسلة الهزائم؟ بهذا المعنى، تتجاوز الرواية حدود زمنها، وتبقى قابلة للقراءة اليوم كنص خالد عن القمع، والخوف، والثمن الباهظ لكسر حاجز الصمت.
من هو حيدر حيدر؟
يُعد حيدر حيدر واحدًا من أبرز الروائيين السوريين. وُلد في قرية حصين البحر قرب طرطوس عام 1936، وتوفي عام 2023 عن عمر ناهز 87 عامًا. عُرف بأسلوبه الحاد والجريء، وبانحيازه الواضح للإنسان المهمش في مواجهة السلطة والبنى الاجتماعية القاسية. من بين أعماله المبكرة، تبرز رواية "الفهد" التي صدرت في ستينيات القرن الماضي، لتصبح لاحقًا علامة فارقة في الرواية السورية الحديثة، لما تحمله من قراءة نقدية عميقة للواقع الريفي والسلطة المحلية.
ثقافة
ثقافة
ثقافة
ثقافة