فواتير الكهرباء في سوريا: كابوس يلتهم ميزانيات الأسر ويشعل جدلاً حول القدرة على الدفع


هذا الخبر بعنوان "موقع الإخبارية السورية" نشر أولاً على موقع قناة الإخبارية وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٢٨ كانون الثاني ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
تحولت خدمة الكهرباء في سوريا من ضرورة أساسية تنتظرها العائلات بفارغ الصبر، إلى كابوس حقيقي يهدد بابتلاع ميزانيات الأسر. وقد أحدثت الفواتير الأولى التي صدرت صدمة واسعة لدى شريحة كبيرة من السوريين، حيث وصفها البعض بأنها تتجاوز المنطق والقدرة على السداد.
يعبر أبو فادي، وهو موظف أمضى ثلاثين عاماً في الخدمة، عن هذا الواقع المرير قائلاً: "نحن نعيش لنسدد الفواتير. لم نعد نسأل عن ساعات الوصل، بل نسأل كيف سندفع؟". ويضيف في تصريح لموقع الإخبارية السورية أن راتبه "بالكاد يكفي خبزاً ودواء، وعندما تأتي الفاتورة لتقتطع أكثر من 70% من الدخل، فهذا يعني أنني سأحرم أبنائي من وجبة غداء".
أما "أم سعيد"، وهي أرملة تقطن في حي شعبي، فتتساءل مستنكرة: "يحدثوننا عن الترشيد، فهل نطفئ البراد الذي يحفظ لقمة الغد؟ أم نترك الغسيل ليتراكم؟ لقد غطت ألواح الطاقة الشمسية أسطح الأغنياء، أما نحن الفقراء فالكهرباء لا ترحمنا". وتضيف أن فاتورتها بلغت مليوناً و300 ألف ليرة، بينما راتبها مليون و400 ألف ليرة، متسائلة عن كيفية التوفيق بين متطلبات الحياة الأساسية والفواتير المرتفعة.
وفي سياق متصل، يروي توفيق تجربته قائلاً: "ذهبت لتسديد الفاتورة حاملاً في جيبي 50 ألفاً لأجد أن الفاتورة مليون و600 ألف؛ فكيف سأسدد هذا المبلغ؟".
من جهته، يقدم أبو باسل وجهة نظر مختلفة، إذ يرى أن التكلفة مقبولة مقارنة بكمية الاستهلاك، ويطالب بتحويل الفاتورة إلى شهرية بدلاً من كل شهرين، مبرراً ذلك بمقارنة الأسعار في الدول المجاورة حيث كان يعيش سابقاً.
وفي حي دمر البلد، اشتكى المواطن علي الحسن من الطريقة العشوائية لقراءة العدادات في معظم الأحيان، مشيراً إلى أن قيمة بعض الفواتير لم تستند إلى قراءة العداد الفعلية، بل جاءت بشكل تقديري. ويرى الحسن أن هذا يمثل ظلماً كبيراً للعديد من العائلات، خاصة تلك التي لا تمتلك معدات كهربائية تزيد من استهلاكها، وبالتالي لا تبرر ارتفاع قيمة الفاتورة.
في المقابل، ترى وزارة الكهرباء أن هذه القرارات ضرورة قصوى لضمان استمرار الحياة، وتؤكد أن القطاع تعرض لدمار هائل طال المحطات والشبكات. وتشدد الوزارة على أن تحديث هذه البنية وتأمين الوقود والغاز يتطلب سيولة مالية ضخمة لا يمكن تأمينها دون رفع الأسعار. وتعتبر الوزارة أن الأولوية هي لضمان "عصب الإنتاج" في المصانع والمنشآت، لأن توقفها يصيب الاقتصاد الوطني بحالة شلل كامل، وتؤكد أن المؤسسات الحكومية ملزمة أيضاً بدفع فواتيرها لضمان استدامة الإمداد.
وفي هذا الصدد، يحذر الخبير محمد بدر كوجان من اتساع الفجوة بين "الدخل والسعر المرتفع"، ويرى أن المشكلة الحقيقية ليست في الرغبة في الدفع، بل في القدرة عليه. ويشرح كوجان أن المجتمع السوري اليوم منقسم إلى شرائح؛ منها الموظف الذي قد تلتهم الكهرباء نصف دخله، وهو ما يصفه بـ "الصدمة المعيشية"، إلى جانب أصحاب الدخل غير المنتظم الذين يعيشون يوماً بيوم. ويضيف أن الفئة الأخرى هي المعدمة التي تعتمد على المساعدات، وقد أصبحت الكهرباء بالنسبة لها "حلماً بعيد المنال".
ويطرح كوجان "خارطة طريق" إنسانية واقتصادية، مطالباً الحكومة بتبني ثلاثة محاور عاجلة: أولاً، دعم "الحد الأدنى" بتحمل الدولة كلفة كمية محددة شهرياً للشريحة التي لا تملك دخلاً. ثانياً، حماية محدودي الدخل من خلال توسيع مظلة الدعم لتشمل الشريحة السعرية الثانية، لضمان ألا تزيد الفاتورة عن 10-15% من الراتب. وثالثاً، التصحيح الهيكلي، مؤكداً أن الحل الجذري ليس في رفع السعر فقط، بل في خلق فرص عمل ورفع القوة الشرائية للمواطن، ليكون شريكاً في بناء الدولة لا ضحية.
سوريا محلي
سياسة
سوريا محلي
سوريا محلي