تحول استراتيجي: براغماتية ترامب تدفع واشنطن نحو شراكة إقليمية مع دمشق بقيادة الرئيس الشرع


هذا الخبر بعنوان "براغماتية ترامب ورهانه على الرئيس الشرع.. هل تمنح واشنطن دمشق ملفات إقليمية أكبر لإدارتها؟" نشر أولاً على موقع syriahomenews وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٢٩ كانون الثاني ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
شهدت سوريا، بعد سقوط نظام الرئيس المخلوع بشار الأسد، تحولاً جذرياً في تحالفاتها الدولية، متجهة نحو بناء علاقات جديدة مع القوى الإقليمية والدولية. يهدف هذا التوجه إلى استعادة دمشق لدورها الطبيعي ضمن موازين القوى الفاعلة، بينما عملت الإدارة السورية الجديدة على إخراج بعض القوى التي كان يعتمد عليها النظام البائد من معادلة النفوذ، وبدأت برسم معالم جديدة لإعادة دمج البلاد في المجتمع الدولي.
في خضم هذا التحول، دخلت العلاقات السورية الأميركية مرحلة جديدة تختلف كلياً عن حقبة نظام الأسد الأب والابن. بدا اهتمام واشنطن واضحاً منذ الأيام الأولى لوصول الرئيس السوري أحمد الشرع إلى قصر الشعب، وتجلى ذلك بزيارة وفد أميركي لدمشق ولقائه بالشرع ومسؤولين آخرين. تبع ذلك لقاءات على مستوى الزعماء، حيث التقى الرئيس الشرع بالرئيس الأميركي دونالد ترامب للمرة الأولى في الرياض في أيار 2024، وتجدد اللقاء في نيويورك في أيلول الماضي، ليتوج بدخول الشرع إلى البيت الأبيض في تشرين الثاني. يشير هذا المسار إلى تحول في العلاقة بين دمشق وواشنطن من العداء والضغط إلى مرحلة التعاون وبناء الثقة.
يعكس هذا التحول الدراماتيكي، من العزل إلى الاعتراف والتعاون، اهتمام إدارة ترامب بالإدارة السورية الجديدة، التي تمكنت خلال العام الأول من التحرير من إحياء العلاقات وفق مبدأ التوازنات والحفاظ على السيادة السورية. كما أظهرت الإدارة الجديدة قدرتها على تجاوز إرث النظام المخلوع وتقليص النفوذ الإيراني وتجفيف مصادر تمويله، مما أسهم في تحقيق الاستقرار في المنطقة.
خلال التسعة أشهر الماضية، جرت عدة اتصالات مباشرة بين الرئيس السوري أحمد الشرع والرئيس الأميركي دونالد ترامب، تمثلت بثلاثة لقاءات في الرياض ونيويورك ثم واشنطن، بالإضافة إلى اتصالين هاتفيين خلال كانون الثاني الجاري. صاحب ذلك تصريحات أميركية إيجابية وداعمة لسوريا، ناهيك عن مديح ترامب للشرع. وبالمقارنة، بحسب الباحث في وزارة الخارجية والمغتربين، عبيدة غضبان، كان مجموع تواصلات ترامب مع نتنياهو خلال الفترة نفسها خمسة على الأقل، وذلك بناءً على علاقة ثنائية استثنائية عمرها نصف قرن وثمنها مئات ملايين الدولارات.
وصف ترامب الشرع بعد اللقاء التاريخي الأول في الرياض بـ"الشاب المقاتل والقائد المذهل"، وأعاد ذلك في تصريحات لاحقة بقوله إن "الرئيس الشرع قدم نفسه كقائد قوي وهو يمتلك الفرصة التاريخية لقيادة سوريا نحو المستقبل"، إضافة إلى الإشادة به على أنه "رئيس محترم للغاية"، "قوي وصلب"، و"شاب يافع وقوي جداً".
يعود إعجاب ترامب بالشرع إلى كونه شخصية شابة تمتلك مهارات قيادية عالية، يمكن الاعتماد عليه كأفضل شريك استراتيجي للولايات المتحدة، قادر على الإمساك بزمام الأمور في سوريا وما حولها. ويعزى ذلك إلى إدراكه لقواعد اللعبة الدولية وقدرته على المناورة السياسية، والتعاطي بمرونة مع منطق المصالح المتبادلة، الأمر الذي يتقاطع مع عقلية ترامب التي تحكم سياسته الخارجية، بحسب الإعلامي والناشط السياسي محمود الحموي.
وأضاف الحموي في حديث لصحيفة "الثورة السورية"، أن هذا يأتي في سياق براغماتي بحت يتوافق مع طبيعة ترامب كرجل صفقات قبل أن يكون رجل سياسة، بينما يتعامل مع العلاقات الدولية من زاوية واحدة وهي المصالح الأميركية. لذلك، يبحث الرئيس الأميركي عن شركاء قادرين على إدارة الملفات بكلف أقل وعوائد أعلى.
لا يمكن فهم هذا "الغزل" الأميركي بالإدارة السورية الجديدة، ممثلة بالرئيس أحمد الشرع، بمعزل عن العلاقات فوق المعتادة بين ولي العهد السعودي والرئيس الأميركي، ولا بمعزل عن طبيعة العلاقات التركية-الأميركية، بحسب الباحث السياسي عبد الله السحيم. لذلك، "يُقرأ هذا المسار في سياق تقارب أميركي مع ما يمكن تسميته بالمحور الإسلامي الآخذ في التشكل بقيادة تركيا والسعودية، في ظل الاستقطاب العالمي المتصاعد بين معسكر الصين وروسيا من جهة، وأمريكا وحلفائها من جهة أخرى".
من هذا المنطلق، فإن تصريحات ترامب الإيجابية لا تخرج من إطار إعجابه بأداء الرئيس الشرع في إدارة الملفات الداخلية والخارجية، إذ تمكن من نقل سوريا من دائرة العزلة إلى دور فاعل من خلال إدارة الملفات بمنظور متوازن، عبر إعادة العلاقات مع دول الخليج والأردن، إضافة إلى تركيا والاتحاد الأوروبي، بينما تمكن الشرع من لفت نظر رجل الصفقات من اللقاء الأول.
هذه العوامل جعلت الرئيس الأميركي ينظر إلى الرئيس الشرع على أنه شريك استراتيجي محتمل، كونه قادراً على ضبط المشهد الداخلي وإدارة زمام الأمور، بما يتناغم مع مصالح واشنطن في الشرق الأوسط. يمتد هذا الأمر إلى رؤية مستقبلية تعتمد على تفاهمات أوسع، تجعل سوريا قوة فاعلة في ملفات الإقليم. فالولايات المتحدة لا تتعامل بمبدأ "العمل الخيري"، بل تبحث عن مصالحها مع أفضل الشركاء في المنطقة، حيث دخلت سوريا على خط هذه الشراكات من خلال علاقاتها مع المملكة العربية السعودية وقطر وتركيا، ما ينسجم مع رؤية ترامب من ناحية الصفقات وأقلها خسائر بالمنطقة، حتى في مقاربته لدور الجيش الأميركي في الشرق الأوسط، الذي يستعد للانسحاب من سوريا، بحسب الناشط السياسي محمود الحموي.
يتفق في ذلك الباحث عبد الله السحيم، إذ يرى في حديث لصحيفة "الثورة السورية" أن "العلاقات الأميركية-السورية، إذا استمرت الإدارة السورية بهذا النهج المتوازن والبراغماتي، فإنها قد تتجاوز مرحلة التحسن إلى ما هو أبعد من الازدهار، وصولاً إلى مرحلة تسليم سوريا ملفات إقليمية أكبر، باعتبار أن سوريا، بحكم الجغرافيا والتاريخ، دولة إقليمية بامتياز، وقد ضاع موقعها ومركزها خلال حكم عائلة الأسد، ويبدو أن اللحظة قد حانت لكي تستعيد دورها الطبيعي في المعادلة الإقليمية."
تتجه العلاقات بين دمشق وواشنطن إلى أن تكون "استراتيجية وطويلة الأمد"، وفق الحموي، نظراً لموقع سوريا الجيوسياسي، فهي عصب رئيسي في الشرق الأوسط، إلى جانب قدرة الدولة السورية على قراءة المشهد السياسي وقيادة المنطقة. بينما تمكن الشرع خلال عام من التحرير من تحسين الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية وضبط المشهد الداخلي، ما أعطى انطباعاً إيجابياً لدى إدارة ترامب.
أثبتت الدولة السورية قدرتها على تنفيذ إصلاحات فعلية داخلية، بينما تبنت سياسة بعيدة عن محور إيران في المنطقة وتمكنت من السيطرة على الحدود، ما أدى إلى تعطيل طريق طهران بيروت، الأمر الذي تلقته واشنطن بنظرة إيجابية. وتستمر دمشق بمكافحة تنظيم "داعش" وتجفيف قدرته على إعادة تشكيل نفسه من جديد، ما مهد الطريق أمام سوريا لتكون العضو رقم (90) في التحالف الدولي بقيادة واشنطن. يضاف إلى ذلك أن دمشق التزمت بمسار المفاوضات مع إسرائيل للتوصل إلى اتفاق أمني بما يخص الجنوب السوري برعاية أميركية.
في حين "أن إسرائيل بدأت تتحول إلى حمل زائد على السياسة الأميركية، وقد بدا ذلك من خلال نقل ملفات الانفصاليين في الدول العربية إلى السعودية، بعدما كانت هذه الملفات في السابق ضمن نطاق التأثير الإسرائيلي المباشر. ما يحدث، هو نوع من المراجعة الأميركية المتأخرة، وفهم متنامٍ بأن إسرائيل أصبحت عبئاً، لا سيما بعد حرب غزة وما رافقها من رفض عالمي واسع، هدد عملياً بتصدّع صورة السفينة التي تمثل المجتمع الدولي التي تديره أميركا"، بحسب السحيم.
قبل ساعات من توجه الرئيس السوري إلى موسكو، تلقى الشرع اتصالاً هاتفياً مطولاً من الرئيس الأميركي دونالد ترامب، بحثا خلاله تطورات المرحلة الانتقالية في سوريا، والجهود المبذولة لتعزيز الأمن والاستقرار، إضافة إلى آفاق التعاون الثنائي بما يخدم الاستقرار الإقليمي والدولي، بحسب بيان الرئاسة السورية.
يرى الناشط السياسي محمود الحموي أن سوريا ماضية في بناء علاقات متوازنة مع القوى الدولية، لكن دمشق تتجه إلى بناء علاقات استراتيجية مع واشنطن، لافتاً إلى أن زيارة الشرع إلى روسيا تزامنت مع خروج القوات الروسية من مطار القامشلي، بينما تخلّت الولايات المتحدة عن تنظيم "قسد" بشكل كامل، معتبراً أن "تفكيك الميليشيات" ليس فقط في سوريا، يرتبط برسم معالم شرق أوسط جديد.
وأكد الشرع، بحسب بيان الرئاسة، أن "سوريا الجديدة" تتبنى نهج الانفتاح وتمد يدها للتعاون مع كل الأطراف الدولية على أساس المصالح المشتركة والاحترام المتبادل، واتفق مع الرئيس الأميركي على ضرورة تغليب لغة الحوار في حل النزاعات الإقليمية، حيث شدد الشرع على أن "الدبلوماسية النشطة" هي السبيل الوحيد لتجاوز الأزمات المزمنة في المنطقة.
بينما أكد ترامب دعم بلاده لتطلعات الشعب السوري في بناء دولة موحدة وقوية، ورحب باتفاق وقف إطلاق النار، معتبراً إياه خطوة مفصلية نحو إنهاء النزاع، كما أشاد بالتفاهمات المتعلقة بدمج القوى العسكرية، بما فيها تنظيم "قسد"، ضمن مؤسسات الدولة الرسمية. وأبدى الرئيس الأميركي استعداد واشنطن لدعم جهود إعادة الإعمار في سوريا من خلال تشجيع الاستثمار، مؤكداً أن الاستقرار الاقتصادي السوري يشكل ركناً أساسياً لاستقرار الشرق الأوسط. وعلق ترامب بعد المكالمة قائلاً إن الأمور في سوريا والمنطقة "تسير على نحو جيد للغاية".
ويرى الباحث عبد الله السحيم أن الاتصال الأخير يرتبط بشكل أساسي بملف "قسد" والجزيرة السورية والتسويات المرتبطة بها، إذ "أشار ترامب صراحة إلى أن اتصاله بالشرع كان بهدف حل مشكلة كبيرة وحفظ أرواح، وهي إشارة واضحة، إلى الاشتباك العسكري المحتمل بين الجيش السوري من جهة، و(الـبي كي كي) وقسد من جهة أخرى وما سيرتب على سوريا من لغط في الكونغرس وجماعات الضغط في أمريكا، ما من شأنه إحراج ترامب الذي كرر عدة مرات دعمه للإدارة السورية."
ختاماً، فإن العلاقة السورية الأميركية ليست عابرة وستكون علاقة استراتيجية قائمة على مصالح البلدين بما يتناسب مع موقع سوريا الاستراتيجي والجيوسياسي. أثبتت دمشق قدرتها على إدارة الملفات الداخلية والخارجية ونجحت بذلك خلال زمن قياسي، ما جعلها تكسب ثقة المجتمع الدولي، وعلى رأسه الولايات المتحدة. لكن المطلوب اليوم أن تبقى ملتزمة بالنهج الدبلوماسي المتزن وتثبيت الاستقرار الداخلي باعتباره العامل الأهم في بناء المصداقية، بما يساهم أيضاً في توسيع بناء الشراكات الاقتصادية والسياسية.
سياسة
سياسة
سياسة
سياسة