العزلة الاجتماعية في سوريا: هروب إلى العالم الرقمي وخدر عاطفي في ظل تداعيات الحرب


هذا الخبر بعنوان "خدر عاطفي وانسحاب إلى العالم الرقمي.. سوريون في “عزلة اجتماعية”" نشر أولاً على موقع enabbaladi.net وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ١ شباط ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
لعل الجملة الشهيرة التي كتبها الشاعر المصري أحمد عبد المعطي حجازي في منتصف القرن العشرين، تختصر مفارقة عصرنا الرقمي: "زحام دائم من الرسائل، والصور والوجوه، في حين تبدو العلاقة الفعلية مع الآخر متعذرة". ففي الوقت الذي نتصور فيه أنفسنا أكثر عزلة من أي وقت مضى، قد نكون في الحقيقة أقل قدرة على ممارسة "الاختلاء" حقًا، إذ إننا حتى في عزلتنا، مثقلون بالعالم الخارجي الذي يتسلل إلينا عبر شاشاتنا ووسائل التواصل التي لا نغيب عنها أبدًا.
وعلى الرغم من أن البشرية بلغت ذروة قدرتها على التواصل، لم يسبق في تاريخها أن عبّر أفرادها بهذا القدر عن شعورهم بالعزلة. وفي هذا السياق، تعتبر منظمة الصحة العالمية أن "الوحدة والعزلة الاجتماعية أصبحتا أخطر على الصحة العامة من التدخين أو السمنة"، وترتبطان بزيادة مخاطر الأمراض القلبية والسكتات الدماغية والخرف والموت المبكر.
في هذا التقرير، تسلط عنب بلدي الضوء على حجم العزلة الاجتماعية في الحالة السورية، خاصة بعد حرب خلّفت آثارًا نفسية واجتماعية عميقة، امتدت لتشمل جميع الفئات، من أطفال نشؤوا في بيئات الصدمة، إلى شباب وجدوا أنفسهم بلا أفق، ونساء حملن أعباء مضاعفة، وعائلات تشتتت أو فقدت المعيل. وبالتالي، يصبح التعافي النفسي والاجتماعي أولوية وطنية لا تقل أهمية عن إعادة الإعمار المادي.
يروي وليد (20 عامًا)، وهو طالب في قسم الكيمياء من مدينة حمص، لعنب بلدي، شعوره بالفراغ النفسي في أحيان كثيرة بالرغم من امتلاء وقته بالدراسة النظرية أو العملية. يجد وليد نفسه غالبًا أمام سطوع شاشة "الموبايل" أو "اللابتوب"، إذ يلجأ لسؤال "تشات جي بي تي" أو يبحث في "جوجل" بدلًا من مشورة الأصدقاء ومساعدة المدرّسين، سواء في استفسارات حياتية أو علمية، تجنبًا للنقد أو التسخيف من بعض الأسئلة المطروحة التي يحاول إيجاد أجوبة منطقية لها. ويرى الطالب الجامعي أن هذا الأمر أدى به تدريجيًا إلى عزلة اجتماعية، إذ إنه لم يجد عنصرًا بشريًا داعمًا بالمعنى الحقيقي، في حين عوّضه الفضاء الإلكتروني هذا النقص نسبيًا، بعيدًا عن التجريح والتسخيف أو الرد على سؤاله بأسئلة تشعره بالنقص الاجتماعي أو الدراسي، إلا أن لذلك "ضريبة قاتلة أيضًا"، بحسب تعبيره.
من جانبها، قالت ردينة (40 عامًا)، وهي معلمة مدرسة من سكان دمشق، لعنب بلدي، إن شعورها بالعزلة الاجتماعية قد يكون ناتجًا عن حقيقة أنها تقضي وقتًا أقل مع الأصدقاء والعائلة، على حساب مواقع التواصل الاجتماعي، وتتطوع أقل مما كانت تفعل قبل سنوات. لكنها ترى أيضًا أن هناك تحولات سكانية أوسع تسهم في ذلك، إذ إن الناس يعيشون اليوم بعيدًا عن أسرهم أكثر من الماضي، ينجبون عددًا أقل من الأطفال، وتتراجع معدلات الزواج بسبب الظروف المعيشية والاقتصادية الصعبة. وأضافت ردينة أنه عندما ننظر إلى مؤشرات الترابط الاجتماعي، مثل عدد أفراد العائلة أو عدد الزيارات العائلية، نجدها في انخفاض، وبالتالي جميع هذه العوامل تُراكم الإحساس بالعزلة، وبذلك لا تبدو الوحدة مجرد ظاهرة نفسية، بل نتيجة لتآكل البنى الاجتماعية والثقافية التي كانت تحفظ التوازن بين الفرد والجماعة.
بدوره، اعتبر منذر (28 عامًا)، وهو خريج كلية هندسة من مدينة جبلة بريف محافظة اللاذقية، في حديث إلى عنب بلدي، أن الهروب إلى الفضاء الرقمي كان نتيجة طبيعية لما يشعر به في واقعه الاجتماعي. ووصف منذر حالته بأنها هروب أو انسحاب من الواقع إلى فضاء إلكتروني يجعله محاطًا بمئات الأصدقاء، ربما بسبب النقد المستمر أو الروابط السطحية الضعيفة التي تجمعه بأشخاص لا يعيرون اهتمامًا لآرائه، ما يجعله يشعر بالاكتئاب وتدني الثقة بالنفس ويفضّل العزلة الاجتماعية.
قالت ميساء (36 عامًا)، وهي موظفة في إحدى الدوائر الحكومية وأم لطفلين من مدينة طرطوس، لعنب بلدي، إن أهم أسباب الانطواء والعزلة الاجتماعية التي تعززت لديها كانت بسبب جائحة "كوفيد" قبل أعوام، إذ جعلتها تميل إلى العزلة والوحدة في المنزل بين أطفالها، وقد استمر معها هذا الأمر حتى بعد فتح الإغلاقات والتعايش مع الجائحة. وتابعت السيدة الثلاثينية أن الإغلاق المؤقت بسبب الجائحة عزز خيار الانعزال لديها كوسيلة للهروب من ضغوطات الحياة الاجتماعية والحصول على وقت خاص، معتبرة أنه بالرغم من لجوئها إلى الفضاء الإلكتروني بحثًا عن الراحة، تجد نفسها بين أنياب العزلة الاجتماعية، بحسب تعبيرها، ومفصولة عن الواقع الحقيقي، مما أثّر سلبًا على مهاراتها الاجتماعية.
قالت الاستشارية النفسية الأسرية الدكتورة هبة كمال العرنوس، لعنب بلدي، إن المجتمع السوري يعاني انعزالًا اجتماعيًا بدرجات متفاوتة، إذ إن وسائل التواصل الاجتماعي في سوريا لم تُلغِ العزلة، بل أعادت تشكيلها في كثير من الحالات. وأضافت الاستشارية أن التواصل الرقمي غالبًا يفتقر إلى الحميمية العاطفية الحقيقية، ويركز على العرض والتمثيل أكثر من المشاركة الصادقة، كما أنه يعزز المقارنة الاجتماعية والشعور بالنقص أو العجز. ولفتت العرنوس إلى أن كثيرًا من الأفراد أصبحوا منسحبين نفسيًا حتى وهم متصلون رقميًا، في ظل سنوات طويلة من الحرب والصدمة الجمعية، والفقد والنزوح والانقسام الأسري، والضغوط الاقتصادية المستمرة. وهذا بسبب الخدر العاطفي، بحسب العرنوس، نتيجة فرط الكورتيزول (الهرمون المسؤول عن التوتر)، إذ يؤدي التوتر المزمن إلى ارتفاع مستمر في هرمون الكورتيزول، وانخفاض حساسية الدماغ للمشاعر الإيجابية، وبالتالي النتيجة أن العلاقات الواقعية لا تمنح الإحساس بالدفء، فيُستبدل بالقرب الحقيقي تواصل سطحي منخفض الشدة.
لفتت الدكتورة العرنوس إلى أن الملاحظة المجتمعية تظهر عدة مؤشرات:
ترى الدكتورة العرنوس أن التعامل يكون غالبًا غير واعٍ، ويأخذ أشكالًا نفسية مختلفة، تشمل:
أكدت الاستشارية أنه لا يمكن فصل الانعزال الاجتماعي عن:
بالتالي، الانفتاح الرقمي في هذه الحالة ليس رفاهية، بل أحيانًا مساحة هروب، أو مخدّر نفسي، أو بديل هش للعلاقات الحقيقية.
تجيب الاستشارية أن العودة إلى التوازن تحتاج إلى:
أشارت الدكتورة العرنوس إلى أن الانعزال رغم الانفتاح الرقمي ليس تناقضًا، بل استجابة دفاعية طبيعية لعالم سريع وضاغط وقليل الأمان العاطفي، معتبرة أن القيود أُزيلت عن الوسائل، لكن القيود النفسية لا تُرفع إلا بالشفاء والأمان والمعنى. وختمت العرنوس حديثها لعنب بلدي بالتأكيد أن المجتمع السوري لا يعاني من عزلة رقمية، بل من وحدة نفسية جماعية، موضحة أن التواصل الافتراضي، رغم ضرورته، لا يعالج الانفصال العاطفي ما لم يُدعَم بعلاقات إنسانية حقيقية وآمنة ومتعاطفة.
سوريا محلي
سوريا محلي
سوريا محلي
سوريا محلي