أطفال سوريا: من مقاعد الدراسة إلى ورش العمل.. صراع البقاء ومستقبل جيل مهدد


هذا الخبر بعنوان "أطفال سوريون يغادرون التعليم إلى سوق العمل" نشر أولاً على موقع enabbaladi.net وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٨ شباط ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
في مشهد يعكس قسوة الواقع السوري، يفكك أحمد (23 عامًا) محرك سيارة ببراعة في ورشته بمدينة اللاذقية، مستخدمًا يدين اعتادتا التعامل مع الشحم والزيت. أحمد، الابن الوحيد بين ثلاث أخوات، اتخذ قرارًا مصيريًا بترك المدرسة في سن الـ15، مدفوعًا برغبة ملحة في تحقيق الاستقلال المادي وإعالة أسرته المكونة من ستة أفراد. ففي ظل راتب والده الحكومي المحدود ومحاولاته اليائسة في صيد السمك التي لم تعد تسد رمق العيش، رأى أحمد في "الصنعة" ملاذًا أسرع وأكثر جدوى اقتصادية من الشهادة التي اهتزت ثقته بقيمتها أمام مرارة الواقع. اليوم، يجد هذا الشاب نفسه في صراع مع ذاكرته، محاولًا استدراك ما فاته من تعليم، بعدما اكتشف أن عقله الذي ألف لغة العمل الميداني والحلول التقنية السريعة، يواجه صعوبة بالغة في التكيف مع المناهج الدراسية بعد سنوات طويلة من الانقطاع.
قصة أحمد ليست سوى نافذة على واقع أليم يبتلع مستقبل جيل كامل في سوريا. تشير أرقام منظمة "يونيسف" إلى أن واحدة من كل ثلاث مدارس في سوريا أصبحت غير صالحة للاستخدام بسبب الأضرار أو الدمار الناجم عن الحرب. هذا الوضع المأساوي أسهم في حرمان أكثر من 2.4 مليون طفل سوري من التعليم حاليًا، كما حذرت المنظمة من أن أكثر من مليون طفل آخرين معرضون لخطر التسرب الدراسي، وهي الفئة الأكثر عرضة للانجراف نحو سوق العمل غير المنظم.
كان قرار أحمد بترك المدرسة نابعًا من إيمانه بأن العمل هو السبيل الأقصر ليصبح السند الحقيقي لوالديه وأخواته. لكن هذا الطموح المبكر بالاستقلال المادي اصطدم بواقع سوق العمل الذي يفتقر لأدنى معايير الحماية القانونية لليافعين. يروي أحمد، في حديثه لعنب بلدي، أن أجره في بداية تعلم المهنة لم يتجاوز خمسة دولارات فقط في الأسبوع. هذا المبلغ، رغم رمزيته، كان يمثل في نظره حينها "إنجازًا" يحرره من الحاجة للسؤال، لكنه اكتشف لاحقًا أنه كان الثمن الذي دفعه مقابل التخلي عن سنوات التأسيس المعرفي.
بالنسبة لأحمد، بدت رائحة الشحم وصوت المحركات أكثر واقعية وجاذبية من معادلات الرياضيات المعقدة. لم يدرك حينها أن المهارة اليدوية وحدها، دون خلفية علمية، ستصبح بمرور الوقت سقفًا يحد من تطوره المهني. يضاف إلى ذلك المخاطر الجسدية والصحية التي تفرضها هذه البيئة، حيث تحذر منظمة العمل الدولية من حوادث العمل المميتة أو الإعاقات طويلة الأمد التي قد تنجم عن رفع الأحمال الثقيلة واستخدام الآلات في سن النمو.
الواقع الذي بدأ فيه أحمد العمل في سن الـ15 يكشف عن فجوة تشريعية مقلقة في قانون حقوق الطفل الصادر عام 2021. فبينما تنص المادة "36-أ" صراحة على: "يحظر تشغيل الطفل الذي لم يتم الـ15 من عمره"، جاءت المادة "61" المتعلقة بالعقوبات لتحدث شرخًا في حماية هؤلاء الأطفال. فقد حددت عقوبات بالحبس والغرامة لمخالفي الفقرات "ب، ج، د" (أي من يشغّل طفلًا في عمل خطر أو يمنعه من التعليم أو يحرمه من الفحص الطبي)، لكنها "تجاهلت" وضع أي عقوبة لمخالفي الفقرة "أ" المتعلقة بأصل المنع من التشغيل تحت سن الـ15. هذا الغياب للعقوبة الرادعة في المادة "61" حوّل نص الحظر إلى نص شكلي، مما يجعل سوق العمل متاحًا لليافعين في سن حرجة دون خوف أصحاب العمل من عواقب قانونية حقيقية.
من خلال تعاملها المباشر مع الطلاب واليافعين في البيئة المدرسية، تلاحظ المرشدة الاجتماعية بشرى مروة أن حالة أحمد تمثل نموذجًا لنسبة كبيرة ممن فقدوا الثقة بالتعليم كوسيلة للتغيير المادي السريع. أوضحت المرشدة الاجتماعية، لعنب بلدي، أن امتلاك الفتى اليافع للمال في سن مبكرة يمنحه شعورًا بالندية تجاه الكبار، واستغناء مبكرًا عن سلطة الأهل والمؤسسة التعليمية. هذا الاستغناء المبكر يحمل في طياته مخاطر نفسية واجتماعية جمة، إذ تؤكد منظمة الصحة العالمية أن الأطفال العاملين أكثر عرضة للقلق والاكتئاب وفقدان احترام الذات بسبب تحمل مسؤوليات تفوق سنهم.
وأضافت مروة أن الانقطاع عن الدراسة يخلق ما يسمى بـ"الفجوة المعرفية". فاليافع الذي يبتعد عن جو القراءة والتحليل لسنوات يواجه "صدمًا تعليميًا" عندما يحاول العودة. فالدماغ الذي اعتاد الاستجابة السريعة لمشكلات الميكانيك يجد صعوبة في التركيز على المواد النظرية، وهو تمامًا ما يمر به أحمد اليوم في محاولاته لنيل شهادة البكالوريا.
يؤكد الواقع المهني اليوم أن المهارة اليدوية وحدها لم تعد كافية للمنافسة في سوق عمل يتجه نحو التقنية والرقمنة. فترك الدراسة يحصر الشاب في العمل اليدوي الصرف، ويحرمه من القدرة على إدارة المشاريع أو فهم الأنظمة الهندسية المعقدة التي تحتاج إلى خلفية أكاديمية. يدرك أحمد اليوم أن "المعلّم" الذي يملك شهادة يملك أفقًا أوسع وقوة تفاوضية أكبر في السوق. الدافع وراء إصراره على البكالوريا هو رغبة في دعم صنعته بسند علمي يرمم ثقته بمكانته الاجتماعية.
يعكس هذا الصراع الشخصي قضايا بنيوية أعمق، كما يرى محللون وباحثون. ففي تحليل للكاتب محمد رجب سماق (كانون الأول 2025)، يُشار إلى أن عمالة الأطفال ليست مجرد نتيجة للفقر، بل هي حلقة ضمن منظومة تعيد إنتاج الفقر ذاته جيلًا بعد جيل. فحرمان الطفل من التعليم يحد من فرصه في الحصول على عمل لائق مستقبلًا، مما يهدر رأس المال البشري ويضعف إنتاجية الاقتصاد السوري وقدرته على إعادة الإعمار.
بناءً على التحديات التي ترصدها المرشدة الاجتماعية بشرى مروة ميدانيًا، تقدم مجموعة من الحلول:
سوريا محلي
سوريا محلي
سوريا محلي
سوريا محلي