نقل معتقلي "داعش": مؤشرات على هندسة إقليمية جديدة وإعادة توزيع الأدوار


هذا الخبر بعنوان "ملف "داعش" والترتيبات الإقليمية الجديدة" نشر أولاً على موقع hashtagsyria.com وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٩ شباط ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
يرى مازن بلال أن ملف تنظيم "داعش" يثير مجموعة من المؤشرات الإقليمية المتشابكة بعد إعادة ضبطه، لا سيما مع نقل عدد من المعتقلين من معسكرات تقع في شمال شرقي سوريا إلى العراق. وعلى الرغم من تبرير هذه الخطوة بالوضع الأمني الهش في سوريا، إلا أنها تتجاوز كونها مجرد إجراء تقني أو أمني، لتصبح جزءاً من هندسة سياسية أوسع نطاقاً، تحوّل المعتقلين إلى ورقة ضمن الترتيب الإقليمي الجديد، وتعيد توزيع الأدوار والوظائف بين الفاعلين المحليين والإقليميين.
منذ هزيمة "داعش"، ظل ملف المعتقلين يشكل مسألة مرهقة لقوات سوريا الديمقراطية؛ فقد تحول إلى وظيفة سياسية غير معلنة في إدارة "فائض الخطر" وضبطه، واستخدامه كأداة تفاوض غير مباشرة مع القوى الدولية. ومع انتقال هذا العبء تدريجياً إلى العراق، تتضح ملامح إعادة توزيع القوة والمسؤولية بين البلدين، بما ينسجم مع مسار إقليمي أوسع يسعى إلى إعادة ترسيم خطوط النفوذ وتخفيف كلفة "الإدارة غير المباشرة" التي فرضتها التغييرات الإقليمية.
لا ينفصل هذا التحول عن آلية دولية جديدة في رؤيتها لـ"مخيمات الاحتجاز"، التي تحولت إلى بيئات لإنتاج الأيديولوجيا والمجتمع، تعيد تدوير التطرف وتغذي شبكات عابرة للحدود. لذا، يبدو نقل المعتقلين إلى العراق محاولة لإعادة "تمركز" الخطر داخل دولة ذات سيادة، تمتلك بنية قانونية وأمنية أكثر تماسكاً، وقابلة للتنسيق الإقليمي.
لا يخلو هذا التمركز من حسابات سياسية دقيقة، فالعراق يسعى إلى تثبيت موقعه كحلقة وصل إقليمية، قادرة على استيعاب ملفات معقدة مقابل دور أكبر في معادلات الاستقرار. ويترجم قبول بغداد بهذا العبء رغبة في تأدية دور "الضامن الأمني"، مما يمنحها أوراق تفاوض إضافية مع شركائها، ويعيد تعريف علاقتها بواشنطن وطهران في آن واحد. وفي المقابل، يخفف هذا الإجراء عن شمال شرقي سوريا عبئاً طالما استُخدم ذريعة لاستدامة وضع استثنائي خارج سيادة الدولة.
تتقاطع عملية إعادة ضبط الملف مع تحولات إقليمية أوسع تتمثل في انفتاحات محسوبة وتهدئة صراعات، وإعادة ترتيب الأولويات من "إدارة النزاعات" إلى "احتوائها". ويُعاد تعريف الإرهاب بوصفه خطراً أمنياً يجب تحييده ضمن أطر الدولة، لا ورقة ضغط مفتوحة. وهذا يفسر الدفع باتجاه حلول قانونية وقضائية داخل العراق، بدلاً من الإبقاء على معسكرات عابرة للسيادة، تُدار بقواعد استثنائية.
على الضفة السورية، يظهر التحول انكماش هامش المناورة لدى الأطراف، فوظيفة "إدارة داعش" التي منحت نفوذاً سياسياً وأمنياً لسنوات، لم تعد صالحة بالزخم نفسه في ظل تغير المزاج الدولي، والسعي إلى إعادة الاعتبار للدولة وحدودها. وهذا لا يعني نهاية التعقيد؛ بل انتقاله إلى مستوى آخر بالتفاوض على الأدوار.
لم يعد ملف "داعش" ملفاً أمنياً صرفاً؛ بل بات مرآة للتحول الإقليمي الجديد؛ إذ تُعاد صياغة الوظائف، وتُوزع الأعباء، وتُقاس الأدوار بقدرتها على الإسهام في إدارة الفوضى. وفي هذا المشهد، يبدو نقل المعتقلين خطوة كاشفة لنهاية مرحلة عنوانها تقليص الاستثناءات، وتوسيع منطق "الدولة الوظيفية"، ولو على إيقاع بطيء ومحفوف بالمخاطر.
سياسة
سياسة
اقتصاد
سياسة