بدأت الحكومة السورية خطوات عملية لتقييم واقع المنشآت النفطية في محافظة الحسكة، وذلك بهدف الاطلاع على الجاهزية الفنية لأكبر الحقول في المحافظة. تأتي هذه الخطوة في إطار تنفيذ اتفاق 30 من كانون الثاني مع «قوات سوريا الديمقراطية» (قسد).
وصل وفد من وزارة الداخلية التابعة للحكومة السورية إلى حقول رميلان، يترأسه قائد الأمن الداخلي في محافظة الحسكة، العميد مروان العلي، ومدير إدارة أمن المطارات والمنافذ، العقيد أحمد الأحمد. كما ضم الوفد معاون رئيس الهيئة العامة للطيران المدني، أمجد نخال، إلى جانب ممثلين فنيين عن الشركة السورية للبترول. تُعد هذه الزيارة جولة استكشافية تطبيقًا لبنود الاتفاق الذي جرى التوصل إليه مؤخرًا بين الحكومة السورية و«قسد»، وتهدف إلى تقييم وضع الحقول النفطية والمنشآت الحيوية في المنطقة.
تقييم فني تمهيدي
أكد مدير إدارة الاتصال المؤسساتي في الشركة السورية للبترول، صفوان شيخ أحمد، أن الجولة تشمل حقلي «رميلان» و«السويدية»، بمشاركة فرق فنية وهندسية متخصصة. وأوضح شيخ أحمد أن الهدف الأساسي من التواجد الميداني هو «الاطلاع على الواقع الفني وتقييم جاهزية الحقول»، مشيرًا إلى أن هذه الخطوة تُعد تمهيدًا لخطوات لاحقة لم يُفصح عن طبيعتها بعد، لكنها تندرج ضمن سياق تطبيق التفاهمات بين الحكومة و«قسد».
تأتي هذه الجولة في وقت تعاني فيه المنشآت النفطية من تهالك تقني حاد نتيجة سنوات من العمل بالحد الأدنى من الصيانة، وغياب قطع الغيار الأساسية بسبب العقوبات الدولية والانقسام السياسي.
مثلث الطاقة السوري
تعتبر هذه المنطقة «المثلث الذهبي» للثروة الباطنية السورية، وتضم مجموعة من الحقول التي تشكل العمود الفقري لما تبقى من اقتصاد الطاقة في البلاد:
- حقل «رميلان»: يُعد أكبر الحقول النفطية السورية، ويضم 1322 بئرًا نفطيًا. تكشف لغة الأرقام حجم التراجع الذي حل بالإنتاج: قبل عام 2011، كان الإنتاج يصل إلى 120 ألف برميل يوميًا، بينما تشير إحصائيات «الإدارة الذاتية» حاليًا إلى انخفاض الإنتاج ليتراوح بين 10 و20 ألف برميل فقط. يعود هذا التراجع بنسبة تقارب 85% إلى توقف مئات الآبار عن العمل، إما بسبب استهدافات عسكرية أو نتيجة نقص التكنولوجيا اللازمة لانتشال النفط من طبقات الأرض العميقة.
- حقل «السويدية»: يضم هذا الحقل 25 بئرًا للغاز، وهو المنشأة الوحيدة القادرة على تزويد المنطقة بالغاز المنزلي والكهرباء عبر «محطة السويدية» الشهيرة. لكن المفارقة تكمن في أن قسمًا كبيرًا من هذه الآبار متوقف، ليس لنضوب الغاز، بل لغياب المصافي المتخصصة التي تقوم بفصل الغاز ومعالجته، مما يضطر القائمين عليه أحيانًا إلى حرق الغاز المصاحب للنفط لعدم القدرة على تخزينه أو تسييله.
- حقول «كراتشوك» و«عليان» و«حمزة»: تعتبر هذه الحقول امتدادًا جغرافيًا لـ«رميلان»، وهي حقول حدودية بامتياز. يتميز حقل كراتشوك بنفطه الثقيل جدًا، وكان تاريخيًا يرفد مصفاة حمص عبر شبكة أنابيب معقدة. أما حقلا «عليان» و«حمزة» فهما أصغر حجمًا لكنهما استراتيجيان لربط الشبكات المحلية وتجميع الخام قبل نقله.
- حقول «القحطانية»: إلى الغرب قليلًا من «رميلان»، تقع حقول منطقة القحطانية، وأبرزها حقل «عودة». يُعرف هذا الحقل بإنتاجه المستقر نسبيًا، لكنه كان خلال سنوات الحرب «بنك أهداف» دائمًا، نظرًا لقربه من الطرق الدولية الرئيسة. تعتبر هذه الحقول محطات وسيطة مهمة في عملية نقل النفط الخام من أقصى الشرق باتجاه الداخل السوري أو باتجاه المصافي المحلية.
التسلسل التاريخي: رحلة «الذهب الأسود» خلال الحرب
منذ عام 2011، شهدت هذه الحقول تحولات دراماتيكية في السيطرة والإدارة:
- سيطرة «وحدات الحماية» (2012): في منتصف عام 2012، ومع اشتداد المعارك في مراكز المدن السورية، بدأ النظام السوري السابق بسحب وحداته العسكرية من مناطق ريف الحسكة الشمالي والشرقي. تسلمت «وحدات حماية الشعب» إدارة هذه الحقول تدريجيًا، ضمن اتفاقات غير معلنة حينها لضمان استمرار تدفق النفط إلى مصافي بانياس وحمص مقابل حصص مالية ووقود.
- تهديد تنظيم «الدولة» (2013 – 2015): حاولت فصائل في المعارضة السورية في بدايات عام 2013 التقدم نحو «رميلان»، لكن القوات الكردية خاضت معارك عنيفة لحماية «المصدر المالي الأهم». لاحقًا، ومع صعود تنظيم «الدولة الإسلامية»، أصبحت هذه الحقول هدفًا للتنظيم، لكنها ظلت صامدة كمعقل رئيس تحت سيطرة «قسد» بدعم جوي من التحالف الدولي بهدف منع مصدر تمويل مهم عن التنظيم.
- «الحراقات» و«التمويل الذاتي»: بعد انقطاع الطرق الدولية الواصلة إلى المصافي الحكومية، بدأت «الإدارة الذاتية» بالاعتماد على المصافي البدائية (الحراقات)، وهي وسيلة تعتمد على حرق النفط الخام في خزانات كبيرة لاستخراج المازوت والبنزين بطرق أولية. رغم أنها أمّنت وقودًا رخيصًا للسكان، إلا أنها تسببت بكوارث بيئية وأمراض تنفسية واسعة بين المدنيين، فضلًا عن جودة الوقود المتدنية التي أتلفت محركات الآليات.
- الاستهدافات التركية: لم تكن المعارك البرية هي التهديد الوحيد، فمنذ عام 2022، انتهجت تركيا استراتيجية جديدة تهدف إلى تجفيف منابع تمويل «الإدارة الذاتية» عبر تدمير البنية التحتية للطاقة. شنت المسيرات والطائرات الحربية التركية سلسلة غارات وصفت بأنها «الأعنف» في عامي 2022 و2024، استهدفت بشكل مباشر محطة السويدية للغاز ومحطات تجميع النفط في القحطانية ورميلان. أدت هذه الضربات إلى خروج محطة السويدية عن الخدمة لعدة أشهر، مما تسبب بانقطاع تام للكهرباء عن معظم محافظة الحسكة، وأزمة خانقة في غاز الطهي، وقُدرت الخسائر بمئات الملايين من الدولارات.
الواقع الفني والتحديات الراهنة
مع بدء تسلم الحكومة السورية آبار النفط، تبرز عدة تحديات لإعادة تأهيلها تتمثل بـ:
- تهالك الآبار: النفط في رميلان والسويدية يحتاج لتقنيات «الرفع الاصطناعي» وضخ المياه، وهي تقنيات تفتقر إليها «قسد».
- غياب المصافي: وجود 25 بئرًا للغاز في السويدية دون مصفاة حديثة هو هدر اقتصادي هائل، حيث لا يمكن الاستفادة من الغاز الخام دون معالجة كيميائية معقدة.
- الاستنزاف: الاعتماد على الإنتاج السريع دون دراسات جيولوجية قد يؤدي إلى تضرر المكامن النفطية بشكل دائم، مما يقلل من العمر الافتراضي للحقول.
تفتح الجولة الحكومية في رميلان أبواب أسئلة تدور في أذهان السوريين: هل تنتهي طوابير الوقود وأزمات الكهرباء التي أثقلت كاهل السوريين على امتداد سوريا خلال سنوات؟