سوريا بعد الانهيار: دروس من التاريخ وتحديات بناء دولة القانون والاقتصاد السياسي


هذا الخبر بعنوان "دروس سورية من التاريخ القريب.. هل من يسمع؟" نشر أولاً على موقع worldnews-sy وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ١٠ شباط ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
شكل انهيار جدار برلين، وما تلاه من تفكك لمنظومة الاتحاد السوفياتي وهيمنته على دول أوروبا الشرقية، حدثاً تاريخياً فارقاً. كان هذا الانهيار نتاجاً لسوء إدارة مزمن من قبل السلطات الحاكمة في تلك البلدان، وعجزها عن التكيف مع المتغيرات الداخلية والعالمية. وعلى النقيض مما حدث في الصين، رغم التشابه في العقيدة السياسية، سادت الفوضى المرحلة التي تلت الانهيار في العديد من الدول المعنية.
في ألمانيا الغربية، اتُخذت خطوات إدارية جريئة ومكلفة لتحقيق الوحدة الألمانية. أما الدول الأخرى، فكان حظها أقل نسبياً، حيث سارع رموز السلطة المنهارة إلى بيع أصول بلادهم لاستثمارات خارجية هيمنت على معظم القطاعات الحيوية. وبالتوازي، فقدت الإدارات المتعاقبة القدرة على ضبط الفوضى الاقتصادية والمعيشية. لم تتمكن غالبية هذه البلدان من النهوض مجدداً إلا من خلال الحد الأدنى من الضبط الإداري، الذي تمثل في أمل الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي والاندماج في نسيج المؤسسات الدولية. ومع ذلك، فإن دولة القانون، التي تميزت بها دول أوروبا الغربية، لم تترسخ بشكل كامل في جميع دول أوروبا الشرقية حتى الآن، على الرغم من ديمقراطية الانتخابات.
كانت حالة روسيا هي الأسوأ، حيث سادت فيها الفوضى الإدارية لفترة طويلة بعد انهيار الاتحاد السوفيتي. وبرزت "حيتان" استثمارات واحتكارات سيطرت على مقدرات البلاد الهامة، مقابل فوضى أمنية وإفقار لأغلب السكان وغياب للحد الأدنى من الحماية الاجتماعية. هذا الوضع جعل مسار العودة إلى الاستقرار الإداري لضبط هذه "الحيتان" وتأمين حياة آمنة ومعقولة للسكان أكثر قسوة وصعوبة.
منذ بداية الألفية الجديدة، شهدت العديد من البلدان العربية انهيارات مماثلة، بدءاً من العراق بعد غزوه، وصولاً إلى ليبيا واليمن وسوريا والسودان بعد "ثوراتها" التي تحولت إلى حروب أهلية وتفكيك للدول. يمكن عزو جميع هذه الانهيارات إلى سوء إدارة السلطات القائمة وعدم فهمها للمتغيرات الداخلية والخارجية وقدرتها على التأقلم معها. لكن ما حدث هو المزج بين هذه السلطات التي رحلت في النهاية، وبين مؤسسات الدولة التي تم تفكيكها بحجج مختلفة، مما أدى إلى غياب سريع لإمكانيات الإصلاح وضبط الفوضى وترسيخ دولة القانون، ولو بالحد الأدنى. وما يميز أوضاع أغلب هذه الدول بعد عقد أو عقدين من الانهيار والتغيير، أنها بقيت هشة ومقسمة وخاضعة لفوضى استثمارات "الحيتان" الداخليين والخارجيين، دون النهوض بمستوى معيشة المواطنين أو بناء دولة قانون فعلية تؤمن الحريات العامة والخاصة، قبل الديمقراطية.
لا يمكن فصل الاقتصاد والاستثمارات عن آليات تجعل الدولة دولة قانون. ولا يمكن لدولة القانون أن تؤمن الحريات الفردية والعامة دون دولة قانون على الصعيد الاقتصادي. فالاقتصاد في بلاد هشة خارجة من أزمة وصراع ودمار ليس سوى اقتصاد سياسي.
في كانون الأول/ديسمبر الماضي، شهدت سوريا انهياراً مماثلاً لـ"منظومة الأسد"، وهو انهيار فتح آفاقاً جديدة للسوريين بعد معاناة صعبة وطويلة. لم تتحسن الأوضاع المعيشية للمواطنين بسرعة، بل ساءت نسبياً للفئات الأشد فقراً، التي تشكل الأغلبية. ولم يستتب أمن الوطن والمواطنين، حيث ما زال عرضة للانهيار بشكل واسع أمام أي استفزاز داخلي أو خارجي، كما حدث في الساحل والجنوب. ولم يتم فعلياً توحيد البلاد إدارياً. برغم ذلك، يدفع الأمل السوريين نحو الانخراط بنشاط ملحوظ في محاولة النهوض بسوريا وإرساء مستقبلها.
تمثلت إحدى العقبات الأساسية في العقوبات القاسية التي فُرضت على البلاد، وبخاصة الأمريكية منها، والتي أدت في الواقع إلى معاناة المواطنين الطويلة بدلاً من "إسقاط النظام". وكان إعلان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب مؤخراً أنه سيزيلها خطوة تحول كبيرة، خاصة وأنها تخطت آليات كل الأنظمة الإدارية والديمقراطية الأمريكية. وتعززت هذه الخطوة سريعاً بإعفاء المتعاملين مع مؤسسات الدولة السورية، المالية والإدارية، من أية قيود لمدة ستة أشهر، ريثما يتم العمل في الولايات المتحدة على إلغاء القوانين المرتبطة بالعقوبات. هذا الإعفاء لا يبدو مشروطاً ظاهرياً، لكنه كذلك واقعياً. والأهم أن أمل السوريين قد تعزز بهذه الخطوة الجديدة.
إلا أن هذه الخطوة الملحوظة تضع السلطات القائمة أمام تحديات جديدة، وبخاصة فيما يتعلق باستخلاص العبر من مسارات شرق أوروبا وبلدان عربية أخرى. في طليعة هذه التحديات ألا تتحول الفوضى الإدارية والاقتصادية مبرراً للعودة إلى الوراء، أي أن المطلوب هو إرساء دولة القانون من الناحيتين الإدارية والقانونية مع شفافية في العمل وإمكانية للمحاسبة عبر الحريات العامة. لكن، قبل رفع العقوبات الأمريكية، تم الإعلان عن عقود ومذكرات تفاهم لاستثمارات ساهمت كثيراً في رفع منسوب آمال السوريين. لكن المهم هو نشر نص هذه العقود والمذكرات بشفافية والحرص على تماشيها مع القوانين السورية، أو إذا لزم الأمر على الأقل إصدار قوانين واضحة تؤطرها، كي تخضع للنقاش العام، ريثما يكون هناك مجلس تشريعي حقيقي. كذلك ما زالت المؤسسات "العامة" والخاصة التي قامت أثناء الشرذمة السورية متباينة جداً في شفافيتها وأصول عملها رغم توحيد أجزاء كبيرة من البلاد ضمن "دولة سوريا الجديدة". لكن ما أنتجته الشرذمة أو ما كان يمكن أن تبرره العقوبات لا بد له اليوم أن يخضع لمنظومة قانونية وإدارية واحدة.
إن تأطير الاستثمارات الأولية وتوحيد الأسس القانونية سيساعدان على تعاظم الاستثمارات، السورية والخارجية، وبالتالي تعافي البلاد وترسيخ الثقة بالمؤسسات العامة وتفادي الفوضى الاقتصادية التي طبعت مراحل ما بعد الانهيار في شرق أوروبا. وهما أيضاً سيعظمان من انخراط المؤسسات الدولية الكبيرة، كالبنك وصندوق النقد الدوليين وغيرهما، للمساعدة في التحديث الضروري للأنظمة الإدارية القائمة وأتمتتها، وكذلك العمل على تقديم الخبرات والمنح الهادفة لإصلاح البنى التحتية. وهذه الأمور مهمة لأن هذه المؤسسات تحرص على احترام الأسس الإدارية والقانونية أكثر من الشركات الخاصة، مهما كان تقييم توجهاتها على المدى البعيد. والتأطير والتوحيد هما بالمناسبة أيضاً ما يمكن أن يشجع الإدارة الذاتية في شمال شرق سوريا على الانخراط أيضاً في مسار "دولة سوريا الجديدة".
إلا أن خطاب السلطات الحالية المفرط في توجهاته الليبرالية لا يساعد في النظر إلى الجانب الآخر من مرآة الاستثمارات. هناك شعب سوري يرزح أغلبه تحت خط الفقر وهناك دمار ونزوح ولجوء، ولا بد من وضع تصور حول كيفية إنهاء المعاناة في هذه الأمور كلها. فماذا عن سياسات الحماية الاجتماعية، المعيشية والصحية، وماذا عن آليات التشغيل والمساعدة الاجتماعية لتمكين عودة النازحين واللاجئين والعيش الكريم بانتظار فائدة اجتماعية تتأتى من الاستثمارات الموعودة؟ وماذا عن ضرورة التنظيم العمراني لإعادة البناء، وبخاصة للمدن والقرى المهدمة، كي لا تصبح قضية إعادة الإعمار قضية مضاربات عقارية، كما في مخططات السلطة السابقة؟
لا يمكن فصل الاقتصاد والاستثمارات عن آليات تجعل الدولة دولة قانون. ولا يمكن لدولة القانون أن تؤمن الحريات الفردية والعامة دون دولة قانون على الصعيد الاقتصادي. فالاقتصاد في بلاد هشة خارجة من أزمة وصراع ودمار ليس سوى اقتصاد سياسي.
سياسة
اقتصاد
سياسة
سياسة