أضرار بيئية وزراعية جسيمة في ريف القنيطرة جراء رش إسرائيل مواد سامة: دعوات للمساءلة القانونية


هذا الخبر بعنوان "ما آليات الرد على استهداف إسرائيل لريف القنيطرة بمواد سامة" نشر أولاً على موقع enabbaladi.net وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٢٢ شباط ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
كشفت المعاينة الميدانية التي أجراها مدير زراعة القنيطرة، جمال علي، في الثامن من شباط الحالي، عن ظهور آثار المواد المجهولة التي رشها الجيش الإسرائيلي على الأراضي الزراعية في القنيطرة أواخر كانون الثاني الماضي. وقد أظهرت الجولة، التي شملت المناطق المستهدفة بالرش الكيماوي من قبل الطيران الإسرائيلي، وقوع أضرار بيئية وزراعية جسيمة.
وأوضحت مديرية زراعة القنيطرة أن الجولة رصدت موت الأعشاب البرية، مما يعكس التأثير المباشر والخطير لهذه المواد على البيئة الطبيعية. كما تضرر حقل قمح في قرية كودنة بريف القنيطرة الجنوبي، تُقدر مساحته بنحو 80 دونمًا، حيث مات محصول القمح بشكل كامل. وقد تسببت هذه العملية الإسرائيلية في خسارة وانتكاسة لسبل عيش المزارعين والأمن الغذائي في المنطقة.
وكان الجيش الإسرائيلي قد قام برش مواد يُعتقد أنها سامة للأعشاب في الأراضي القريبة من نقاطه العسكرية بمحافظة القنيطرة في 25 من كانون الثاني الماضي، وعاد الطيران الإسرائيلي لرش الأراضي الزراعية مرة أخرى في 27 من الشهر ذاته.
وبحسب مديرية إعلام القنيطرة، فإن مساحة الأراضي المتضررة من العملية تُقدر بحوالي 3000 دونم من الأراضي الرعوية، بالإضافة إلى 250 دونمًا مزروعة بالقمح والشعير، وعشرات الدونمات المزروعة بالرزانية. وأفادت المديرية بأن المواد الكيماوية التي رشّتها القوات الإسرائيلية أدت إلى نفوق عدد من الأغنام في المنطقة.
وفيما يخص إجراءات تعويض الفلاحين، أكدت المديرية أن المحافظة ما زالت تعد الكشوف التقديرية لحجم الضرر المباشر وغير المباشر على البنية الزراعية وانعكاساتها على الثروة الحيوانية، بالتعاون مع مديريتي الزراعة والبيئة. وحول الخطوات الحكومية تجاه الانتهاكات الإسرائيلية، أكدت مديرية إعلام القنيطرة أن المسار الدبلوماسي للحكومة السورية واضح، ويتمثل في المطالبة بالرجوع إلى اتفاقية فض الاشتباك بين سوريا وإسرائيل الموقعة عام 1974، والعودة إلى خط 8 من كانون الأول 2024.
المحامي المختص في القانون الجنائي الدولي، المعتصم الكيلاني، أوضح أن واقعة رش مواد مجهولة المصدر في منطقة زراعية تثير إشكاليات قانونية مركّبة، تتقاطع فيها قواعد القانون الدولي العام والقانون الدولي الإنساني والقانون الدولي لحقوق الإنسان والقانون الدولي البيئي. وأشار إلى أن الأصل في العلاقات الدولية هو احترام سيادة الدول وسلامة أراضيها، وهو مبدأ مؤكد في ميثاق الأمم المتحدة، خاصة المادة 2/4 التي تحظر استخدام القوة أو التهديد بها ضد سلامة أراضي دولة أخرى.
وبيّن الكيلاني أن القانون الدولي الإنساني يحمي المدنيين والأعيان المدنية، بما فيها الأراضي الزراعية ومصادر الرزق، وهي مبادئ جوهرية في اتفاقيات جنيف والبروتوكول الإضافي الأول لعام 1977، الذي يحظر الوسائل والأساليب القتالية التي تُلحق أضرارًا واسعة النطاق وطويلة الأمد وشديدة بالبيئة الطبيعية. وأضاف أن إتلاف الأعشاب والتربة بما يؤثر في سبل عيش السكان الزراعية قد يعد انتهاكًا لمبدأي التمييز والتناسب، وقد يرقى تدمير الموارد الضرورية لبقاء السكان المدنيين إلى مخالفة جسيمة.
وفي إطار القانون الدولي البيئي، أشار الكيلاني إلى أن قاعدة عدم إحداث ضرر عابر للحدود تعد قاعدة عرفية مستقرة أكدت عليها أحكام محكمة العدل الدولية، مما يتيح إمكانية إقامة مسؤولية دولية تستوجب جبر الضرر. ومن منظور حقوق الإنسان، يمس الإضرار بالأراضي الزراعية مباشرة بحق الإنسان في الغذاء والصحة وتأمين مستوى معيشي لائق، وهي حقوق منصوص عليها في العهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية. وأكد أن الإضرار بالتربة أو الأعلاف في مجتمع ريفي يعتمد على الزراعة وتربية الماشية يمس جوهر الأمن الغذائي والكرامة الإنسانية، ويؤدي إلى آثار اقتصادية واجتماعية قد تمتد لسنوات.
من جهته، أشار الباحث في مركز "الحوار السوري"، نورس العبد الله، إلى أن هذه التصرفات الإسرائيلية تشكل انتهاكًا لاتفاقية فض الاشتباك لعام 1974، التي تحظر أي توغلات عسكرية أو أعمال عدائية، بالإضافة إلى انتهاكها للقانون الإنساني الدولي الذي يحظر تدمير الموارد الطبيعية والأراضي الزراعية دون مبرر عسكري، وهو غير موجود في الحالة السورية. وبيّن أن انتهاكات كهذه قد ترقى إلى جرائم حرب.
يعتقد نورس العبد الله أن جميع الإجراءات الإسرائيلية في المنطقة الجنوبية تسعى لفرض أمر واقع يخدم رؤيتها الأمنية ويؤدي إلى خلق واقع يفرض نفسه في المفاوضات الحالية أو المستقبلية. وقال إن الخطوة الإسرائيلية الأخيرة، المتمثلة برش مواد مجهولة على الأراضي الزراعية، تبدو ذات هدفين رئيسين: الأول هو إنهاء مظاهر الحياة المرتبطة بالجانب الزراعي وإظهار البعد الأمني والعسكري على الشريط الحدودي، والثاني هو نشر الخوف لدى السكان ودفعهم للتراجع عن المناطق، وبالتالي ترسيخ خط خالٍ من النشاط البشري. ونوه إلى تنفيذ العملية ذاتها في لبنان أيضًا، مرجحًا أن الخطوة الإسرائيلية تمثل "استراتيجية أمنية في الحدود الشمالية".
وشرح المحامي المعتصم الكيلاني أهمية توثيق هذه الانتهاكات من وجهة نظر قانونية، موضحًا أن التوثيق القانوني والعلمي ركيزة أساسية في أي مسار مساءلة دولية. وأضاف أن توثيق عينات التربة والنباتات وتحليلها مخبريًا من جهات مستقلة، وتسجيل التواريخ الدقيقة، وجمع شهادات المزارعين، وإعداد تقارير بيطرية حول نفوق أو تضرر الماشية، كلها عناصر تُكوّن ملفًا قانونيًا يمكن الاستناد إليه أمام المحافل الدولية. وبيّن أن التوثيق المنهجي يسهم في إثبات الطابع المتكرر أو المنهجي للفعل، وهو عنصر حاسم في توصيف بعض الانتهاكات بوصفها جسيمة أو واسعة النطاق.
وأشار الكيلاني إلى أن الأثر المباشر لمثل هذه الأفعال يتمثل في تدهور الإنتاج الزراعي وتراجع الثروة الحيوانية، غير أن التبعيات الأعمق قد تشمل تفاقم الفقر، وزيادة الاعتماد على المساعدات الإنسانية، واحتمال النزوح الداخلي نتيجة فقدان مصادر الرزق. وأفاد بأن إثبات المخالفة على المستوى القانوني قد يرتب على الدولة المسؤولة تقديم التزامات بوقف الفعل غير المشروع، وضمان عدم تكراره، إضافة إلى الالتزام بجبر الضرر، سواء عبر التعويض أو إعادة الحال إلى ما كان عليه قدر الإمكان وفق قواعد المسؤولية الدولية عن الأفعال غير المشروعة.
قال المحامي المعتصم الكيلاني إن الآليات القانونية المتاحة أمام سوريا لمساءلة إسرائيل عن هذه الانتهاكات متعددة، وإن كانت فعاليتها ترتبط بعوامل قانونية وسياسية. وأوضح إمكانية أن ترفع الدولة المتضررة نزاعًا أمام محكمة العدل الدولية إذا توفرت شروط الولاية القضائية، وذلك للمطالبة بإثبات المسؤولية الدولية وجبر الضرر. وأضاف أنه في حال إثبات وصول الفعل إلى جريمة حرب، فقد يُثار اختصاص محكمة العدل الدولية، بشرط توفر شروط الاختصاص الإقليمي أو الشخصي المنصوص عليها في نظام روما الأساسي.
وفي إطار الأمم المتحدة، نوه الكيلاني إلى إمكانية تقديم شكاوى وتقارير إلى مجلس حقوق الإنسان، وطلب تفعيل لجان تقصي الحقائق أو المقررين الخاصين المعنيين بالحق في الغذاء أو بالبيئة أو بحالة حقوق الإنسان في الأراضي المعنية. كما يمكن إثارة المسألة أمام الجمعية العامة أو مجلس الأمن، وإن كان ذلك يخضع لتوازنات سياسية معروفة. إضافة إلى ذلك، تتيح بعض الآليات التعاقدية ضمن منظومة حقوق الإنسان تقديم بلاغات أو تقارير دورية توثق الانتهاكات، مما يضع الدولة المعنية تحت رقابة دولية علنية ويُسهم في بناء ضغط دبلوماسي وقانوني. وقد يُلجأ أيضًا إلى المحاكم الوطنية في بعض الدول استنادًا إلى مبدأ الولاية القضائية العالمية في حال انطبقت شروطه، خاصة إذا تعلق الأمر بجرائم خطيرة بموجب القانون الدولي.
من جانبه، يعتقد الباحث في مركز "الحوار السوري"، نورس العبد الله، أن الإجراءات التي يمكن أن تتبعها الحكومة السورية في ظل الظروف الراهنة تنحصر بإجراءات قانونية ودبلوماسية، قد تشمل تقديم شكوى إلى الأمم المتحدة والمطالبة بإجراء تحقيق دولي، في محاولة للضغط على إسرائيل عبر منظمات دولية حكومية وغير حكومية وتسليط الضوء على الانتهاك الإسرائيلي.
سياسة
سياسة
سياسة
سوريا محلي