أطفال العصر الرقمي: ذكاء معرفي متفوق وهشاشة عاطفية مقلقة


هذا الخبر بعنوان "مع المهارات التقنية.. أطفالنا أذكى معرفيًا وأضعف عاطفيًا" نشر أولاً على موقع enabbaladi.net وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٢٢ شباط ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
عنب بلدي – شعبان شاميه
تتغلغل العواطف في كل جانب من جوانب حياتنا، ويُعد الوعي العاطفي لدى الأطفال قدرة أساسية تمكن الطفل من التعرف على مشاعره الخاصة وتسميتها، وفهم تأثيرها على سلوكه، بالإضافة إلى تحمل الإحباط، وإدارة الخسائر، وبناء علاقات عميقة. كما يشمل هذا الوعي القدرة على فهم مشاعر الآخرين والتعاطف معهم، مما يساعدهم على التعبير عن أنفسهم بطرق صحية بدلًا من الكبت أو الاندفاع، وهو ركن أساسي في تطوير الذكاء العاطفي الشامل.
على الرغم من الارتفاع الملحوظ في معدل الذكاء المعرفي لدى الأطفال في الوقت الحالي، حيث يتميزون بسرعة الوصول إلى المعلومات، ويتمتعون بمهارات تقنية متقدمة، وقدرة على البحث والتحليل، وتعرض مبكر لمفاهيم معقدة، إلا أنهم يظهرون ضعفًا عاطفيًا، وفقًا لما أكدته الاستشارية النفسية الأسرية الدكتورة هبة كمال العرنوس، في حديثها إلى عنب بلدي.
يناقش هذا التقرير من عنب بلدي أسباب ومخاطر ضعف الوعي العاطفي لدى الأطفال، ويقدم خطة علاجية مفصلة، بالتعاون مع اختصاصيين، لتمكين الأهالي من تنمية الذكاء العاطفي لأطفالهم بالتوازي مع الذكاء المعرفي.
أرجعت الدكتورة العرنوس أسباب الضعف العاطفي لدى الأطفال إلى غياب الحضور النفسي، حتى مع وجود الحضور الجسدي. فالطفل يمتلك العديد من الأجهزة، لكنه يفتقد إلى الإصغاء الكامل، والتواصل البصري، والاحتواء الهادئ، والوقت المخصص له دون استعجال.
وأشارت الاستشارية إلى أن الدماغ العاطفي للطفل يتشكّل من خلال التناغم العاطفي مع الوالدين. وأوضحت أنه عندما ينشغل الأهل، حتى لو بحسن نية، عن أولادهم، تتشكل فجوة غير مرئية. فالطفل لا يحتاج إلى والدين مثاليين، بل إلى والدين حاضرين.
ومن الأسباب الأخرى التي ذكرتها العرنوس، ثقافة السرعة والنتائج الفورية. فالطفل يحصل على فيديو في ثانية، وإجابة في لحظة، ولعبة دون انتظار، بينما تتطلب الحياة الواقعية صبرًا وجهدًا، واحتمال الفشل، وتأجيل الإشباع. وفي مثل هذه الحالة، ينشأ ضعف في تحمل الإحباط، وهو ما يشكل أساس هشاشة التنظيم العاطفي.
كما تساهم الحماية الزائدة في ضعف الطفل عاطفيًا، بحسب الاستشارية. فكثير من الأهل يتدخلون لحل مشكلات الطفل فورًا، ويمنعون أي تجربة ألم، ويخافون من فشله أو حزنه. لكن من منظور الصحة النفسية، فإن الألم الخفيف المتكرر هو بمثابة لقاح للقوة العاطفية، فالطفل الذي لا يُسمح له بالحزن لن يتعلم كيف يتعافى.
ويؤثر ضعف تعليم المشاعر داخل المنزل سلبًا، وفقًا للعرنوس. فمعظم البيوت تركز على تعليم النجاح والأدب والتحصيل الدراسي، لكنها لا تعلم الأطفال ماهية الغضب، وكيف يهدأون، وماذا يفعلون عند الرفض، وكيف يطلبون احتياجاتهم دون عدوانية. ونتيجة لذلك، يمتلك الأطفال اليوم مفردات تقنية واسعة، لكن مفرداتهم العاطفية محدودة جدًا.
وتطرقت الاستشارية النفسية الأسرية أيضًا إلى المقارنة الاجتماعية المستمرة، مشيرة إلى أن وسائل التواصل الاجتماعي، وليس فقط الذكاء الاصطناعي (AI)، خلقت ضغوطًا للمثالية وخوفًا من الفشل العلني وقلق أداء دائمًا. فالمراهق بات يعيش تحت «كاميرا نفسية» مستمرة، على حد وصفها.
إذا لم يُعالج هذا الأمر، حذرت الدكتورة العرنوس من عواقب وخيمة تشمل القلق المزمن، ونوبات الغضب السريعة، وهشاشة في العلاقات، وانسحابًا اجتماعيًا، واعتمادًا مفرطًا على العالم الرقمي للهروب، وصعوبة في الزواج لاحقًا بسبب ضعف مهارات التواصل العاطفي، وقابلية أعلى للإدمان.
وقدمت الاستشارية أمثلة حياتية واقعية مستوحاة من استشاراتها النفسية اليومية، مثل: طفل بعمر عشر سنوات متفوق دراسيًا، لكنه ينهار إذا خسر في لعبة، لأنه لم يُدرّب على تقبل الخسارة التدريجية، كما أوضحت العرنوس.
ونجد أيضًا مراهقة نشيطة على «السوشال ميديا»، لكنها تخاف التحدث أمام الصف، مما يدل على امتلاكها مهارات رقمية عالية، وثقة ذاتية منخفضة في الواقع، بحسب الاستشارية.
كما نشهد أطفالًا سريعي الغضب عندما يُمنعون من استخدام الأجهزة، لأن الجهاز أصبح منظم مشاعرهم الوحيد، وفقًا للعرنوس، التي أكدت أن جوهر المشكلة في هذه الحالات هو ضعف الوعي العاطفي.
عرّفت الاستشارية الوعي العاطفي بأنه قدرة الطفل على التعرف على مشاعره وتسميتها بدقة، وفهم سببها، وتنظيمها بطريقة صحية، والتعبير عنها دون إيذاء.
ويُعزز الوعي العاطفي عمليًا، وفقًا للعرنوس، من خلال مجموعة من الممارسات والسلوكيات:
توضح الاستشارية النفسية الأسرية أن المشكلة لا تكمن في الأداة بحد ذاتها، بل في استخدامها كبديل عن الملل الصحي واللعب الواقعي والحوار والتجربة. وتعتبر أن التكنولوجيا مفيدة في حال جرى استخدامها كأداة تعليمية متوازنة، وتبدأ المشكلة عندما تصبح المنظم الأساسي لمشاعر الطفل.
شرحت الاستشارية لـ عنب بلدي خطة علاجية تتألف من ثلاث مراحل يمكن للأسرة الاعتماد عليها في حالات ضعف الوعي العاطفي:
تقوم الشخصية القوية عاطفيًا على إحساس بالأمان، وقدرة على التحمل، ومهارات تواصل، ومعنى للحياة، وانضباط ذاتي، بحسب الاستشارية. وشددت على أن ذلك لا يُبنى بالمحاضرات، بل بالتجارب اليومية الصغيرة.
وخلصت الدكتورة العرنوس إلى أن جيل اليوم ليس أضعف بطبيعته، بل نشأ في بيئة مختلفة لم تُعطِ العاطفة نفس العناية التي أعطتها للمعلومة. وأوضحت أن المعادلة لا تكون بتقليل التكنولوجيا، بل بزيادة العلاقة، فالطفل الذي يشعر أنه مرئي ومسموع ومفهوم، يستطيع أن يعيش في أي عصر، حتى عصر الذكاء الاصطناعي.
صحة
صحة
صحة
صحة