مسلسل "مطبخ المدينة": قراءة نقدية في دراما المكان الواحد وتحديات الواقعية السورية المتكررة


هذا الخبر بعنوان "“مطبخ المدينة”… دراما المكان الواحد أم إعادة تدوير للهشاشة الاجتماعية؟" نشر أولاً على موقع Syria 24 وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٢٤ شباط ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
يُعدّ مسلسل "مطبخ المدينة"، من إخراج رشا شربتجي، استمراراً واضحاً للمشروع الدرامي الذي يعمل عليه الكاتب علي وجيه منذ سنوات. يتخذ هذا المشروع البيئة الهشّة محوراً أساسياً للسرد، ويحوّل المكان المغلق إلى نموذج مصغّر يعكس المجتمع السوري بتناقضاته المتعددة. ومع ذلك، يطرح العمل سؤالاً نقدياً جوهرياً: هل نشهد تطوراً في التجربة الفنية أم مجرد إعادة صياغة لسمة درامية باتت مألوفة؟
اختار المسلسل مطعماً شعبياً ليكون الفضاء الرئيسي للأحداث، وهو اختيار لا يقتصر على الجانب الإنتاجي فحسب، بل يحمل دلالات عميقة. فالمطعم هنا لا يؤدي وظيفة مكان العمل التقليدية، بل يتحول إلى استعارة للمدينة بأكملها؛ فضاء تتشابك داخله طبقات اجتماعية متباينة، وتتجلّى عبره علاقات السلطة المصغّرة، والضغوط الاقتصادية، والتوترات العائلية. يعيد هذا البناء تيمة عمل عليها وجيه سابقاً في أعماله "عناية مشددة" (المستشفى)، و"مال القبان" (السوق)، و"على صفيح ساخن" (مكبّ القمامة)، حيث يصبح المكان المغلق بمثابة مختبر اجتماعي يتجاوز كونه مجرد خلفية درامية.
يتخلى العمل عن فكرة البطل المركزي لصالح شبكة من الشخصيات المتوازية، وهو خيار يمنح الواقعية قوة واضحة، لكنه في المقابل قد يحدّ من التوتر الدرامي. فالمشاهد لا يتبع مسار شخصية واحدة بقدر ما يتنقل بين حالات إنسانية متعددة، مما يجعل التجربة أقرب إلى مراقبة الحياة اليومية منها إلى حبكة تصاعدية تقليدية. وقد حظيت هذه المقاربة بإشادة نقدية بوصفها عودة إلى الدراما الاجتماعية السورية الأصيلة، إلا أنها كانت في الوقت نفسه سبباً في شعور بعض المتابعين ببطء الإيقاع.
أبرز ما نجح فيه المسلسل هو قدرته على خلق إحساس واقعي بالحياة اليومية؛ فالحوارات تبدو طبيعية، والشخصيات غير بطولية، والصراعات صغيرة لكنها مألوفة. غير أن هذا الخيار الجمالي ذاته يتحول أحياناً إلى قيد درامي، إذ تغيب الذروة الواضحة لصالح تراكم التفاصيل. يفضّل العمل التأمل على المفاجأة، والملاحظة الاجتماعية على الحدث، وهو توجه فني واعٍ، لكنه قد يصطدم بتوقعات جمهور الموسم الرمضاني الذي يعتمد عادةً على التشويق والإثارة.
عند قراءة "مطبخ المدينة" ضمن سياق أعمال علي وجيه، يتضح أن الكاتب لا يعيد القصة نفسها بقدر ما يعيد طرح السؤال ذاته: كيف يعيش الإنسان داخل بنية اجتماعية هشّة؟ لكن الإشكالية النقدية تكمن في تشابه الإطار البصري والاجتماعي عبر هذه الأعمال: مكان شبه مغلق، شخصيات رمادية، ضغط اقتصادي، وعلاقات عائلية متصدعة. هذا التشابه يمنح الكاتب هوية فنية واضحة، لكنه يخلق أيضاً إحساساً بالتكرار لدى جزء من الجمهور. بمعنى آخر، يبدو العمل أحياناً كحلقة جديدة ضمن مشروع واحد مستمر، لا كقفزة درامية مستقلة.
اعتمد المسلسل بدرجة كبيرة على قوة الأداءات التمثيلية لتعويض محدودية الحدث، مما جعل حضور الممثلين عاملاً حاسماً في الحفاظ على تماسك السرد. وقد نجحت البطولة الجماعية في خلق توازن داخل الحكاية، خصوصاً عبر شخصيات تعتمد الأداء الداخلي الهادئ بدلاً من الانفعال المبالغ فيه، وهو خيار ينسجم مع الواقعية التي يسعى إليها العمل. وفي هذا السياق، شكّلت عودة الممثل مكسيم خليل إلى الدراما السورية أحد العناصر اللافتة، إذ بدا حضوره جزءاً من الرهان على الأداء النفسي أكثر من البطولة التقليدية. فقد قدّم شخصية تقوم على التوتر الداخلي والصراع الصامت، منسجمة مع طبيعة العمل القائمة على التفاصيل اليومية لا اللحظات الدرامية الصاخبة، ما جعله أقرب إلى عنصر توازن داخل النسيج الجماعي للشخصيات، لا مركزاً منفرداً للحكاية. غير أن هذا الأسلوب جعل بعض الشخصيات، بما فيها الشخصيات الرئيسية، تبدو أقرب إلى نماذج اجتماعية منها إلى مسارات درامية مكتملة، وهو ما عزّز الإحساس بأن الأداء يحمل عبء السرد أكثر مما تحمله الحبكة نفسها.
يبدو "مطبخ المدينة" محاولة واضحة لاختبار حدود الدراما الرمضانية التقليدية عبر تقديم عمل أقل صخباً وأكثر تأملاً. وهو رهان فني يمنح العمل خصوصيته، لكنه يضعه في منطقة وسطى: ليس دراما جماهيرية صافية، ولا عملاً فنياً تجريبياً بالكامل.
يمكن النظر إلى "مطبخ المدينة" بوصفه عملاً ناضجاً من حيث الرؤية الاجتماعية، لكنه أقل جرأة على مستوى الشكل الدرامي. فقد نجح في بناء عالم واقعي مقنع، إلا أنه بقي أسير الأسلوب الذي بات يميّز تجربة كاتبه. فالعمل لا يفشل بقدر ما يكرر منطقه الخاص: مراقبة المجتمع من الداخل عبر شخصيات عادية تعيش أزمات يومية داخل مكان يبدو صغيراً، لكنه يحمل صورة مدينة كاملة. غير أن الإشكالية الأبرز تكمن في ميل النص إلى تعميم صورة الهشاشة الاجتماعية بوصفها الحالة الغالبة، في حين أن الواقع الاجتماعي أكثر تناقضاً وتنوعاً. فالمجتمعات المنهكة بالحروب لا تنتج الهشاشة فقط، بل تفرز أيضاً نماذج صلبة قادرة على الحفاظ على قيمها وأخلاقياتها دون الانخراط في مسارات رمادية. ولعل التحدي الأهم أمام الكاتب في أعماله القادمة يكمن في الابتعاد عن لغة التعميم، والاقتراب أكثر من تناقضات المجتمع وتعقيداته، لا الاكتفاء بالنبش المستمر في هشاشته وحدها.
ثقافة
ثقافة
ثقافة
ثقافة