وسيم قزق يتألق بشخصية "مشمش" في "مولانا": براعة تمثيلية تجمع الكوميديا والعمق الإنساني


هذا الخبر بعنوان "“مشمش” في مولانا: بين الكوميديا والعمق الإنساني" نشر أولاً على موقع Syria 24 وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٢٨ شباط ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
لفت الفنان السوري وسيم قزق الأنظار هذا الموسم بأدائه المتميز في شخصية "مشمش" ضمن مسلسل "مولانا"، حيث قدم تجسيداً يجمع بين خفة الظل والعمق الإنساني، مؤكداً قدرة الأدوار غير التقليدية على ترك بصمة فارقة عند بنائها بحرفية عالية. ففي عمل يزخر بأسماء لامعة مثل تيم حسن، استطاع قزق أن يثبت حضوره بقوة وهدوء، متجاوزاً مساحة الدور المحدودة.
لم يرتكز أداء قزق على الاستعراض أو المبالغة، بل انصب جهده على التفاصيل الدقيقة التي منحت الشخصية صدقيتها، كالنظرة الشاردة التي تحمل وعياً خفياً، والابتسامة التي تخفي وجعاً، والإيقاع الداخلي المتفرد. لم تكن شخصية "مشمش" مجرد قالب كاريكاتوري جاهز، بل تجسيداً لإنسان مركب؛ فخفة الظل التي بدت سطحية في البداية، تحولت من خلال الأداء إلى بوابة لفهم أعمق، حيث تتداخل البراءة مع ما يشبه "الجنون"، وتمتزج الكوميديا السوداء بظلال إنسانية شفافة. لقد بدت ملامح البناء الواعي للشخصية واضحة منذ المشهد الأول، لتشكل درساً في فن تجسيد الأدوار.
وقد قدم قزق، الذي يضطلع أيضاً بمسؤولية الكاستينغ وإعداد الممثلين في العمل، نموذجاً عملياً لمفهوم "إلغاء الممثل لصالح الشخصية". فقد جاء أداؤه محسوباً ومتوازناً، متجنباً الوقوع في فخ التهريج أو السعي وراء الضحكة السهلة. ولم تكن شخصية "مشمش" عابرة، بل تحولت إلى أحد أبرز وجوه المسلسل التي يترقب الجمهور ظهورها في كل حلقة. كما أضافت ثنائيتها مع شخصية "شهلا" بعداً لافتاً من التفاعل الدرامي، مانحةً الأحداث حيوية ودفئاً مميزين.
وفي سياق الحديث عن الإرث والاجتهاد، ربط كثيرون اسم وسيم قزق بالمدرسة الفنية العريقة التي ينتمي إليها، كونه ابن عائلة فنية يرتبط اسمها بالفنان فايز قزق. إلا أن تجربته الحالية تؤكد أن الموهبة لا تكتمل إلا بالعمل الدؤوب والمثابرة. فالإرث قد يوفر البذرة، لكن الصقل الحقيقي يأتي من التجربة والجهد المستمر. وقد حرص قزق على ترسيخ بصمته الفنية الخاصة، مبتعداً عن الاتكاء على اسم العائلة، فـ "مشمش" يحمل روحه وإيقاعه الخاص، وطريقته الفريدة في قراءة النص وتحويله إلى واقع حي على الشاشة.
ويأتي نجاح شخصية "مشمش" ليؤكد الحضور اللافت لقزق، وذلك بعد تقديمه لأدوار متنوعة ومختلفة تماماً في السنوات الأخيرة، منها شخصية "مازن" في مسلسل "تحت سابع أرض"، وشخصية "أبو الوليد" في الجزء الأخير من مسلسل "الهيبة". هذا التنقل بين الشخصيات الثقيلة والمركبة وتلك الخفيفة الظل يبرهن على قدرة الممثل على التلون الدرامي دون أن يفقد هويته الفنية الأصيلة. يضاف إلى ذلك، تعاونه المثمر مع المخرج سامر البرقاوي في "مولانا"، وهو تعاون يظهر جلياً في الانسجام الواضح بإدارة الأداء وتفاصيل البناء الدرامي.
إن نجاح "مشمش" يثير تساؤلات حول مفهوم البطولة في الدراما المعاصرة، فالشخصية، رغم أنها لم تكن في صدارة الأحداث، تحولت إلى ركيزة أساسية ومؤثرة في بنية العمل. وهذا يؤكد أن قوة أي مسلسل لا تعتمد على نجم واحد فقط، بل على منظومة أداء جماعي متكاملة. وقد أثبتت هذه التجربة أن خفة الدم، التي قد تبدو سهلة في ظاهرها، هي في الواقع صنعة دقيقة تتطلب وعياً بالإيقاع، وضبطاً للجرعة، وفهماً عميقاً للخلفيات النفسية والاجتماعية للشخصية.
وهنا تحديداً تجلت حرفية قزق، الذي استطاع أن يجعل من "مشمش" حالة إنسانية محببة، تدخل القلوب دون استئذان وتبقى راسخة في الذاكرة. ففي زمن تتجه فيه الأنظار غالباً نحو البطولة المطلقة، يقدم "مشمش" مثالاً ساطعاً على أن الشخصية الصادقة، مهما كانت مساحتها، قادرة على جذب الانتباه بهدوء وفعالية. إنها تجربة تؤكد أن الموهبة الحقيقية لا تحتاج إلى ضجيج لتبرز، بل إلى أداء متقن يدفع الجمهور لانتظار المشهد التالي بشغف.
ثقافة
ثقافة
ثقافة
ثقافة