الدراما السورية تتحرر من الرقابة وتغرق في المباشرة: هل فقدت ذكاء المراوغة؟


هذا الخبر بعنوان "مسلسلات تسقط في فخ المباشرة .. غياب الرقيب يحرم الدراما من ذكاء المراوغة" نشر أولاً على موقع snacksyrian وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٤ آذار ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
شهد الموسم الرمضاني الحالي أول ظهور لأعمال درامية سورية كُتبت وأُنتجت ومُثّلت بالكامل خارج سلطة نظام بشار الأسد، لتختبر بذلك تحررها من قيوده للمرة الأولى منذ عقود. إلا أن هذا التحرر أوقع العديد من هذه الأعمال في فخ المباشرة الفجة، لتخسر بذلك ذكاء المراوغة الذي طالما ميّزها.
ففي الوقت الذي زالت فيه السقوف الرقابية عن تناول جرائم النظام السابق وانتهاكاته، وقعت بعض الأعمال في فخ المباشرة دون تقديم معالجة درامية عميقة أو خلق سياق فني يمنح نظرة أعمق للأحداث. على سبيل المثال، لجأ مسلسل «قيصر .. لا زمان لا مكان» إلى عرض مشاهد تعذيب السجناء ليؤكد وجود التعذيب في السجون، وعرض مشاهد اختناق ليقول إن النظام استخدم السلاح الكيماوي. وقد جاء ذلك دون جهد يُذكر في خلق سياق درامي لتناول التعذيب وآثاره النفسية والجسدية على المعتقلين، مكتفياً بمشاهد مباشرة تحوّل العمل من مسلسل تلفزيوني إلى ما يشبه الفيلم التوثيقي.
مشهد التعذيب ظهر أيضاً بشكل مباشر في مسلسل «مولانا»، لكنه جاء ضمن سياق القصة ولم يكن هو القصة بأكملها. كما تضمن مسلسل «الخروج إلى البئر»، الذي يتناول استعصاء سجن صيدنايا، مشاهد مماثلة وظّفها في إطار درامي عام.
أثارت هذه المشاهد جدلاً واسعاً حول مدى أخلاقية تناولها بهذه الطريقة، لما تحمله من آثار على عائلات ضحايا التعذيب وما قد تثيره من ألم في نفوسهم عند تذكيرهم بذويهم واستعراض العذابات التي تعرضوا لها. كما تضمن مسلسل «قيصر» مشاهد لتعرض معتقلة للتحرش والاغتصاب على يد محقق، وهو ما يرسّخ صورة نمطية مشوهة تحمل المعتقلات وصمة عارٍ، وتضعهن في موقف يضطهدهن فيه محيطهن ويزيد من آلامهن حتى بعد الخروج من المعتقل. وقد دعت نقابة المحامين إلى وقف عرض مسلسل «قيصر» وفتح تحقيق بمحتواه بعد مشهد شتم الساروت.
في المقابل، أنتجت الدراما السورية أعمالاً سابقة أثبتت قدرتها على تناول القضايا الحساسة بذكاء وعمق. ففي عام 2014، تناول مسلسل «قلم حمرة» قصة اعتقال امرأة وما تعرضت له من ألم داخل المعتقل بشكل صريح ومباشر، دون الحاجة لإظهار مشاهد جلاد يضربها أو محقق يغتصبها. بل وضع حكايتها في سياق درامي مؤثر، وقال كل ما يجب قوله دون انتهاك مشاعر ذوي الضحايا. كذلك فعل مسلسل «الولادة من الخاصرة» عام 2011 في تناوله لبدايات الثورة السورية، وغاص مسلسل «غزلان في غابة الذئاب» عام 2006 في عمق منظومة الفساد وغطرسة أبناء المسؤولين بواقعية شديدة. هذه المسلسلات وغيرها قدمت نقداً حاداً للسلطة ومرّت بذكاء من تحت مقص الرقابة المشددة في عهد النظام السابق، الذي حاول الدفع لإنتاج أعمال تدعم سرديته وتمجد أفعاله، لكنها لاقت فشلاً جماهيرياً لأنها كانت أقرب لدروس التوجيه المعنوي.
هذه المباشرة التي ظهرت في بعض أعمال الموسم الحالي، جعلت النصوص المكتوبة أقرب للتوثيق والتقرير منها إلى نصوص درامية تحتاج ذكاءً في المعالجة والتناول، ولمسة فنية تحول الأحداث إلى حكايات مؤثرة تنقل المشاهد من «نشرة الأخبار» إلى «العمل الدرامي». هذا النوع من «التلقين المنبري» والمباشرة، واستثمار حداثة لحظة سقوط النظام، امتد حتى إلى الفواصل الإعلانية التي تضمنت إشارات سياسية عن «سوريا» الجديدة وولادتها من رحم الألم.
إن التحرر من سطوة الرقابة يمنح فرصة للكتّاب والمبدعين لخوض تجربة مختلفة دون خوف من العواقب، لكنه لا يعني استسهال عرض الأحداث دون قالب درامي يتعمق في التفاصيل. تنقل الباحثة الأمريكية «ميريام كوك» في كتابها «سوريا الأخرى .. صناعة الفن المعارض» حديثاً للشاعر والكاتب المسرحي الراحل «ممدوح العدوان» يقول فيه: «لا يكفي أن نصفَ زنزانة السجن، لا بدّ أن نقدّم عن كثب مشهد انكسار الروح، ولا يكفي أن نوصّف آلة الطغيان بل لا بدّ من أن نرفع الغطاء عن تقنية الطغيان كي نكتسب القدرة على مقاومتها ونحوّل إحباطنا إلى تفاؤل».
ثقافة
ثقافة
ثقافة
ثقافة