من مسرحية مارسيل إيمي إلى دفتردار الهباء: تأملات في عبثية الوجود ولامبالاة المجتمع


هذا الخبر بعنوان "رؤوس الآخرين ودفاتر الهباء" نشر أولاً على موقع enabbaladi.net وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ١٢ نيسان ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
تركت بعض الكتب التي قرأها خطيب بدلة خلال حياته أثرًا عميقًا فيه، لا يزال يلازمه. من أبرز هذه الكتب مسرحية للكاتب الفرنسي مارسيل إيمي، ترجمها الأستاذ حسيب كيالي عام 1992. تقوم فكرة المسرحية على أن الفرد لا يكترث لقتل الآخرين طالما أن رأسه سالم، بل قد يحرض على قتلهم أو يتشفى بموتهم دون شفقة.
كما قرأ الكاتب رواية للكاتب السوري سليم بركات بعنوان “دفتردار الهباء”، نُشرت في مجلة “الكرمل” التي كان يديرها الشاعر محمود درويش. كلمة “الدفتردار” فارسية الأصل، ويستخدمها الأتراك أيضًا، وتعني ماسك الدفاتر أو المحاسب. أما “الهباء” فيشير إلى معانٍ متعددة مثل العبث، اللعب، الجد، الجنون، الحرائق، المساخر، الفراغ، العنف، البؤس، والفوضى التي نعيشها في بلادنا.
لا يزال عنوان هذه الرواية يحضر الكاتب وهو يتأمل في أحوالنا الراهنة، حيث يرى الناس يموتون ويُقتلون ويتشردون دون معرفة السبب أو الهدف من ذلك. ويشعر أن الفرد لم يعد يمتلك من أمره شيئًا سوى أن يمسك دفتر الهباء ويدون فيه ما يجري.
يشير الكاتب إلى أن شعراءنا القدامى كانوا يقولون أبياتًا من الحكمة يحفظها الناس ويتداولونها، مبهورين بفطنة قائلها وعبقريته. ومع ذلك، يرى الكاتب أن هذه الأبيات، عند تحليلها والتمعن فيها، قد تبدو كلامًا فارغًا وهباءً يمكن الاستغناء عنه. يضرب مثالًا بقول زهير بن أبي سلمى: “رأيت المنايا خبط عشواء من تصب تمته، ومن تخطئ يعمر فيهرمِ”، ويفسرها الجبيسي بأن من لا يموت في شبابه يكبر ويصبح شيخًا.
يدعو الكاتب إلى تجاوز تقديم البديهيات في ثوب الحكمة، والتعمق في قضية أهمية العمر الذي نعيشه في هذه البلاد المنكوبة. يفترض الكاتب أن الفرد قد يبلغ العمر الأقصى المتعارف عليه، وهو مئة سنة، ويجلس قبل مغادرة الحياة ليراجع دفاتره ويستعرض إنجازاته أو المحطات المهمة. لكنه يرى أن هذه الفرضية خاطئة، فنحن لا نراجع حياتنا ولا نقف عند قضايانا.
ويستشهد الكاتب بكتاب “جيل الهزيمة” للدكتور بشير العظمة، الذي يذكر أن كل جيل يعيد إنتاج الجيل الذي سبقه. ويصف الشخص الذي يحظى باحترام الجميع بأنه من يسير بجوار الحائط ويقول: “يا رب سترك”. نمضي سنوات العمر، التي قد تصل إلى المئة، نردد أفكارًا لا معنى لها، مثل قولنا إن الزواج قسمة ونصيب، أو “الأقدمين ما تركوا شي ما قالوه”.
ويختتم الكاتب بتصوير للمتحدثين في المجالس، حيث يروي أحدهم ما سمعه من جده عن الزيتون، أو ما قاله أبوه عن أهمية الاستماع لكلام الأكبر. ويتدخل آخر في صدر المضافة ليرصف عبارات سيئة بحق المرأة، مدعيًا أن الرجل المعتبر يشاور زوجته ويفعل عكس شورها. ويتباهى ثالث بأن نساءه “يخشبن” عندما يسمعن نحنحته من البوابة. أما الأطفال، فيرى أن لا خير يرتجى منهم، مرددًا المثل الشعبي: “الولد ولد لو عمر بلد!”
ثقافة
ثقافة
ثقافة
ثقافة