الخائفون: رواية ديمة ونوس تستكشف أثر الحرب السورية والقمع على النفس البشرية


هذا الخبر بعنوان "“الخائفون”.. رواية تفكك القلق في زمن الحرب" نشر أولاً على موقع enabbaladi.net وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ١٢ نيسان ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
تغوص الكاتبة السورية ديمة ونوس في روايتها "الخائفون" عميقًا في الأثر النفسي للحرب السورية على الفرد، حيث يتحول الخوف من مجرد شعور عابر إلى حالة وجودية دائمة تسيطر على أدق تفاصيل الحياة اليومية. تركز الرواية على التجربة الإنسانية الفريدة لمن يعيش تحت وطأة القلق المستمر والارتياب والذكريات المثقلة، كاشفةً للقارئ عالمًا داخليًا متصدعًا يجسد واقع جيل بأكمله.
تتوالى أحداث الرواية في دمشق، حيث نلتقي "سليمى"، شابة تعاني من اضطرابات نفسية وتلجأ للعلاج بسبب قلقها المزمن الذي لازمها لسنوات. في عيادة الطبيب النفسي، تلتقي "نسيم"، الطبيب والكاتب الذي يحمل هو الآخر ندوب الخوف ذاته، لتنشأ بينهما علاقة إنسانية عميقة مبنية على الاعتراف المتبادل بالضعف والقلق. لاحقًا، يغادر "نسيم" إلى ألمانيا، تاركًا لـ"سليمى" مخطوطة رواية كتبها. تكتشف "سليمى" أن النص يتناول شخصية تشبهها كثيرًا، مما يدفعها لمواجهة ماضيها وذاتها في آن واحد. يتداخل السرد بعد ذلك بين حياة "سليمى" الواقعية ونَص رواية "نسيم"، لتتحول القصة إلى محاولة لفهم الخوف العميق من خلال فعل الكتابة.
تطرح الرواية رؤية عميقة مفادها أن الخوف في سوريا لم يقتصر على فترة الحرب فحسب، بل هو نتاج إرث طويل من القمع والعنف الذي زرعه نظام "البعث" وتراكم عبر عقود، منتقلًا من جيل إلى آخر ليصبح جزءًا لا يتجزأ من هوية الفرد. تتجلى هذه الفكرة بوضوح عبر ذكريات الشخصيات وعلاقاتها المضطربة، حيث يظهر الخوف في أدق التفاصيل اليومية: في الحذر من الكلام، في الشك بالآخرين، وفي صعوبة بناء علاقات حب حقيقية.
تركز الكاتبة ديمة ونوس على ديناميكية العلاقات بين الشخصيات ومحاولاتهم المتعددة للنجاة، سواء عبر العلاج النفسي أو الكتابة أو الهجرة. تعكس العلاقة بين "سليمى" و"نسيم" صورة جيل كامل يسعى للعثور على الطمأنينة في عالم مضطرب، بينما تتحول المخطوطة التي تركها "نسيم" إلى أداة لمواجهة الذات ومحاولة لفهم الأحداث. تظهر شخصيات أخرى في الرواية لتكتمل بها صورة المجتمع الذي يعيش تحت وطأة الخوف، سواء من خلال روابط العائلة أو المحيط الاجتماعي أو الطبيب النفسي، مما يضفي على النص بعدًا إنسانيًا عميقًا وواسعًا.
تتداخل الذكريات والهواجس مع الواقع في نسيج الرواية، وتبرز دمشق كمدينة مثقلة بالقلق، يعيش سكانها في حالة ترقب دائم، حيث تتآكل الثقة وتتعمق العزلة، في مشهد يعكس التأثير المدمر للحرب على الحياة اليومية. تسعى الرواية إلى تفكيك ظاهرة الخوف اجتماعيًا ونفسيًا، وتطرح تساؤلات جوهرية حول قدرة الإنسان على الحب والثقة والاستمرار في الحياة وسط عالم مليء بالتهديدات، وكيف يمكن للفرد أن يواجه ماضيه ويعيد بناء ذاته من جديد.
ديمة ونوس، كاتبة وروائية وقاصة سورية، ولدت في دمشق عام 1982، ونشأت في كنف عائلة فنية وأدبية، فهي ابنة الكاتب المسرحي الكبير سعد الله ونوس والممثلة فايزة الشاويش. درست الأدب الفرنسي في جامعة دمشق، ثم تابعت دراستها في السوربون بفرنسا، واهتمت بالترجمة. أقامت فترة في بيروت، حيث عملت في صحيفتي الحياة والسفير، كما عملت في الإذاعة والتلفزيون، لتجمع بذلك بين الكتابة الصحفية والأدبية. روايتها "الخائفون" حظيت باهتمام واسع على المستوى العربي، ورُشحت للقائمة الطويلة لجائزة بوكر العربية عام 2018.
ثقافة
ثقافة
ثقافة
ثقافة