مسرح الحمراء بدمشق: خطة طموحة لإعادة التأهيل وتقديم 200 عرض سنويًا


هذا الخبر بعنوان "مسرح “الحمراء”.. إعادة تأهيل تمهد لخطة بـ200 عرض سنويًا" نشر أولاً على موقع enabbaladi.net وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٢٦ نيسان ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
تعاني البنية التحتية للمسارح في سوريا من ضعف وتراجع ملحوظ، مما أثر بشكل مباشر على قدرتها على مواكبة النشاط الفني واستقبال العروض بالصورة اللائقة. ويُعد مسرح الحمراء في دمشق، رغم مكانته التاريخية كأحد أقدم وأهم المسارح في العاصمة، مثالًا بارزًا على هذا التدهور. فقد شكّل المسرح لعقود طويلة مركزًا للحياة الثقافية والمسرحية، واحتضن مئات الأعمال التي تركت بصمتها في الذاكرة الفنية السورية، ما جعل تراجعه يتجاوز الجانب التقني ليصبح مسألة تتعلق بالحفاظ على إرث ثقافي حي.
اليوم، تبرز عمليات إعادة تأهيل مسرح “الحمراء” كخطوة حاسمة لإعادة الحيوية إلى المشهد الثقافي المسرحي، وتعزيز حضوره كجزء فاعل من الهوية الاجتماعية والثقافية. وقد ناقشت مديرية المسارح والموسيقا هذه الخطط خلال جلسة حضرتها عنب بلدي، يوم الأحد 26 من نيسان، في مسرح “الحمراء” نفسه، واستمرت الجلسة حوالي ساعتين للحديث عن إعادة التأهيل وخطة العمل.
وفي حديثه إلى عنب بلدي، قدم مدير المسارح والموسيقا في سوريا، نوار بلبل، تفاصيل خطة عمل المديرية لإعادة تأهيل مسرح “الحمراء” في دمشق، والتي بدأت مؤخرًا. وتناول بلبل الأبعاد الثقافية والاقتصادية والاجتماعية للمشروع، مع الأخذ في الاعتبار التحديات الواقعية المحيطة به. واستهل حديثه بالتأكيد على رمزية المسرح كواجهة حضارية لأي بلد، مستشهدًا بالمقولة الشهيرة “أعطني مسرحًا أعطيك شعبًا”. ورغم إقراره بوجود احتياجات ملحة أخرى، مثل ترميم المشافي والمدارس ودعم العائلات في المخيمات، شدد بلبل على أن أهمية المسرح لا تقل عن أهمية باقي القطاعات الحيوية.
أوضح بلبل أن الحل المعتمد لتنفيذ مشروع إعادة تأهيل المسرح يعتمد على إشراك متبرعين من القطاع الخاص، وخاصة التجار، لتغطية التكاليف. وأكد أن المساهمات لا تُستلم كأموال نقدية مباشرة، بل تأتي على شكل خدمات أو مواد، مثل الدهانات وأعمال الكهرباء والورشات وغيرها.
وتطرق بلبل إلى الوضع المتردي للمسرح قبل بدء العمل، واصفًا إياه بأنه كان يعاني من إهمال شديد وفساد. وأشار إلى اكتشافات لافتة خلال عمليات التنظيف والترميم، منها إنقاذ “بيانو تاريخي” يعود إلى عام 1960، وهو العام الذي تأسس فيه المسرح، مما يعكس عراقة هذا الصرح الثقافي الذي شكّل لعقود واجهة دمشق الفنية والاجتماعية.
وأشار بلبل إلى أن المشروع الحالي هو مجرد بداية لخطة أوسع تشمل إعادة تأهيل مسارح أخرى في مختلف المحافظات السورية، مثل حمص وطرطوس واللاذقية وحلب، معتمدًا في كل مدينة على دعم تجارها المحليين.
وفيما يخص التمويل، أكد بلبل أن الاتفاق مع وزارة الثقافة يقوم على إنجاز مشروع إعادة التأهيل دون تحميلها أعباء مالية تُذكر، نظرًا لكونها “وزارة فقيرة” لديها أولويات عديدة. وأوضح أن التكلفة الكاملة للترميم قد تصل إلى مبالغ ضخمة، بينما يركز العمل الحالي على تأهيل المسرح بالحد الأدنى اللائق لتقديم عروض تحترم الجمهور والفنانين.
كما انتقد الإجراءات البيروقراطية التي كانت ستؤخر المشروع لسنوات في حال الاعتماد على القنوات الرسمية، مشيرًا إلى أن المسرح بقي متوقفًا نحو ست سنوات بسبب هذه التعقيدات. وهو ما دفعه إلى اعتماد أسلوب عمل وصفه بـ“الفوضى المنظمة”، القائم على ترتيب الأولويات ومعالجة المشكلات الأساسية لمسرح الحمراء، مثل الصرف الصحي والكهرباء والديكور والمدخل الخارجي والكواليس بشكل تدريجي.
وأكد بلبل أن الهدف من إحياء المسرح لا يقتصر على إعادة تأهيل البنية التحتية، بل يتعداه إلى إعادة تنشيط الحركة المسرحية، عبر توفير أرضية مناسبة لإطلاق موسم فني متكامل. ويطمح المشروع إلى تقديم نحو 200 ليلة عرض سنويًا، تتوزع بين المسرح والموسيقى، بما يليق بمكانة دمشق وسوريا. وفي بعدٍ اجتماعي لافت، يهدف المشروع أيضًا إلى إعادة بناء التواصل بين السوريين، من خلال خلق فضاءات داخل المسرح تتيح للناس اللقاء والحوار، مثل إعادة تفعيل “البوفيه” وأماكن الجلوس، بما يحوّل المسرح إلى مساحة تفاعل يومي وليس مجرد مكان للعروض.
وعن مستقبل العروض، أشار بلبل إلى أن الخطة لا تزال مفتوحة، دون جدولة أي عرض حتى الآن، مع استقبال مقترحات من فنانين وموسيقيين، على أن يتم تنظيمها لاحقًا ضمن برنامج متكامل بعد افتتاح المسرح عند الانتهاء من عمليات إعادة تأهيله، التي قد تستغرق حوالي شهر ونصف.
وكشف بلبل عن العمل على التحضير لإطلاق “مهرجان دمشق المسرحي الدولي” المقرر إقامته بنسخته الأولى في عام 2027، والذي سيستضيف عروضًا من مهرجانات عالمية كبرى، إضافة إلى عروض عربية وأفريقية. واعتبر أن تحقيق هذا المشروع يتطلب تجهيز بنية تحتية تليق بالعروض الدولية والمحلية.
وفي تقييمه لتأثير هذا المهرجان، شدد بلبل على أن المسرح السوري لم يشهد تحديثًا حقيقيًا منذ عام 2011، لا على مستوى المسرح ولا الموسيقى أو السينما. واعتبر أن استقدام التجارب العالمية سيساهم في إحداث نقلة نوعية، موضحًا أن فترة العروض الدولية خلال المهرجان سترافقها ورشات تدريبية يقدمها فنانون ومخرجون أجانب لطلاب “المعهد العالي للفنون المسرحية”، مما يفتح المجال لتبادل الخبرات والانفتاح على مدارس مسرحية متعددة. ونوه إلى طموح أوسع للمديرية، يقوم على بناء شراكات ثقافية دولية، عبر مشاريع “توأمة” بين مدن سورية وعواصم عالمية، بما يعزز الحراك الثقافي ويعيد دمج المسرح السوري في المشهد الفني العالمي.
وكانت مديرية المسارح والموسيقا في سوريا قد أقامت جلسة حوارية جمعت مديرها نوار بلبل بعدد من المسرحيين من مختلف المحافظات السورية، في 14 من كانون الثاني الماضي. الجلسة التي أقيمت في مسرح “الحمراء” بدمشق، وحضرتها عنب بلدي، خُصصت لمناقشة واقع المسرح السوري والتحديات التي تعترضه، إضافة إلى استعراض الرؤى المطروحة للمرحلة المقبلة وخطط العمل المستقبلية. وتناولت الجلسة أبرز الإشكاليات القائمة، وفي مقدمتها ضعف الإمكانات المادية وتراجع البنية التحتية، كذلك قلة الاهتمام بمسارح المحافظات وإعطاء الأولوية لمسارح العاصمة، وقلة دعم المديرية للمسارح وللمسرحيين.
وفي سياق متصل، أعلن بلبل إنهاء العمل بما كان يعرف بـ“لجنة الرقابة على النصوص”، واستبدالها بـ “لجنة تحديد المستوى”، التي تضم بين 10 و15 عضوًا من أكاديميين ومتخصصين، إلى جانب مشاركين من خارج الوسط الأكاديمي. وأكد أن هامش الحرية بات واسعًا، شرط عدم المساس بالأديان أو الطوائف، وعدم الترويج للعنصرية. وأوضح أن الآلية القديمة كانت تقوم على “فلترة” النص ثم العرض، بينما التوجه الجديد يبتعد عن منطق المنع والسماح، ويركز على معايير تتعلق بمدى قرب العرض من الشارع، وقدرته على جذب الجمهور وإعادة المتفرج السوري إلى قاعة المسرح، بحسب بلبل. وختم حينها داعيًا كل المسرحيين بالقول: “تعالوا نجرب معًا، لعلنا ننجح”.
ثقافة
ثقافة
ثقافة
ثقافة