رواية "فقهاء الظلام": سليم بركات ينسج أسطورة عائلة كردية بين الواقع والخيال


هذا الخبر بعنوان "“فقهاء الظلام”.. عائلة تطاردها خطايا الماضي" نشر أولاً على موقع enabbaladi.net وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ١٢ تموز ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
في عمله الروائي "فقهاء الظلام"، يبدأ الكاتب سليم بركات بسرد قصة زواج الملا بيناف، وهو رجل دين كردي، من برينا، ابنة عفدي ساري، مهرب التبغ. هذا الزواج يجمع بين عالمين متباينين، عالم التدين وعالم التهريب. يتجاوز بركات السرد الواقعي التقليدي ليبني عالماً تتداخل فيه الأسطورة مع الذاكرة الشعبية.
من هذا الزواج يولد بيكاس، الطفل الذي يتحدى قوانين الزمن، حيث ينمو في ساعات قليلة، ويتحدث منذ ولادته، ويبلغ الثلاثين من عمره قبل نهاية يومه الأول، متسارعاً بشكل خارق. هذه الظاهرة هي إحدى أبرز سمات الواقعية السحرية التي تقوم عليها الرواية. يقف والده، الملا بيناف، عاجزاً عن تفسير ما يحدث، بينما يتحول ميلاد ابنه إلى حدث مجتمعي يشغل بال الجميع.
يشكل الطفل بيكاس الشخصية المحورية في الرواية. فمن خلال ولادته الاستثنائية وكسره لقوانين الزمن، تؤسس الرواية منذ بدايتها للطابع الغرائبي الذي يميزها. ولا يقتصر خرق الواقع على بيكاس، بل يتزامن ميلاده مع سلسلة جرائم يقودها خاله مجيدو، الذي يقتل أحد منافسيه في تجارة التهريب، ثم يلاحق أفراد عائلته في مجزرة تهدف إلى قطع طريق الثأر.
مع اتساع دائرة العنف، تبدأ لعنة تطارد الأسرة، فيتحول بيكاس إلى حضور غامض يلاحق أفرادها. يفقد مجيدو وعمه وعفدي ساري توازنهم النفسي، ليصبح الجنون جزءاً من مصير العائلة.
من خلال هذه الحكاية، يربط بركات بين مصير الأسرة والسؤال الكردي. يتحول تقلص المكان وضيق الجغرافيا إلى هاجس يلاحق الشخصيات باستمرار. لا يدور الحوار حول حدود مرسومة على الخرائط فحسب، بل حول أرض تنكمش وهوية تبحث عن موطئ قدم. ويبدو الزمن نفسه مختلاً، يتسارع أحياناً ويتوقف أحياناً أخرى.
لا يعتمد بركات على حبكة تقليدية أو تسلسل زمني، بل ينسج عالمه من حكايات متشابكة، تمزج فيها الوثيقة التاريخية بالفانتازيا، والرؤى الشعبية بالنزعة الصوفية. تصبح الرواية أقرب إلى محاولة لإعادة تخيل تاريخ الجزيرة السورية من خلال الأسطورة لا من خلال الوقائع وحدها.
تدفع الرواية عناصر الواقعية السحرية إلى أقصاها. ففي أحد مشاهدها الأكثر غرابة، يقطع عفدي ساري أصابع معلم اشتراكي بعد اكتشاف سخريته من الدين، ثم يدفنها في باحة المنزل، لتنبت من جديد كالنبات. وبذلك تمتزج الأسطورة بالحياة اليومية، ويصبح العجيب جزءاً من الواقع.
من هو سليم بركات؟
سليم بركات شاعر وروائي سوري، ولد عام 1951 في قرية موسيسانا التابعة لمدينة عامودا بريف القامشلي. انتقل عام 1970 إلى دمشق لدراسة الأدب العربي، لكنه غادرها بعد عام إلى بيروت، حيث أقام حتى عام 1982. خلال تلك الفترة، أصدر عدداً من دواوينه الشعرية وكتب في السيرة والمذكرات. لاحقاً، انتقل إلى قبرص، حيث عمل مديراً لتحرير مجلة "الكرمل" الثقافية الفلسطينية التي كان يرأس تحريرها الشاعر محمود درويش، قبل أن يستقر عام 1999 في السويد، حيث يواصل تجربته الأدبية.
تعد "فقهاء الظلام" أول رواية لسليم بركات، وهي أيضاً من أكثر أعماله حضوراً في الدراسات النقدية، لما تقدمه من لغة كثيفة وبناء رمزي، وتجربة سردية تجمع بين التاريخ والأسطورة والخيال.
ثقافة
ثقافة
ثقافة
ثقافة