قلعة حلب: حصن التاريخ الصامد ورمز العمارة العسكرية في قلب المدينة القديمة


هذا الخبر بعنوان "قلعة حلب… ذاكرة الحجر وحصن الدفاع في قلب المدينة القديمة" نشر أولاً على موقع sana.sy وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ١ كانون الثاني ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
تختزل قلعة حلب، المعلم التاريخي الشامخ الواقع في وسط المدينة القديمة بالمحافظة، قروناً طويلة من التاريخ السياسي والعسكري والعمراني. بارتفاعها البالغ نحو 38 متراً عن مستوى المدينة، شكّلت القلعة على مر العصور حصناً دفاعياً منيعاً في وجه الجيوش التي مرت على هذه المنطقة، وظلت جزءاً لا يتجزأ من هوية حلب وأسوارها وأبراجها الشاهدة على عظمة التاريخ.
يوثق الباحث عبد الله حجار في كتابه "معالم حلب الأثرية" الخصائص الهندسية الفريدة للقلعة. يحيط بها خندق عميق، حُفر وبُني جدار في سفحه خلال عهد الملك الظاهر غازي، ووصل عمقه أحياناً إلى 22 متراً وعرضه نحو 30 متراً، وكان يُملأ بالماء لتعزيز تحصيناتها. يعود القسم السفلي من المدخل الرئيس للقلعة إلى القرن الثالث الميلادي، بينما أُضيف القسم العلوي في القرن الخامس عشر، في حين تعود أبراجها وأسوارها إلى الفترة الممتدة بين القرنين الثالث عشر والسادس عشر. تُعد القلعة، حسب كتاب "معالم حلب"، نموذجاً رفيعاً لفن العمارة العسكرية العربية الإسلامية. ورغم تعرضها للتدمير على يد الساسانيين عام 540م بعد استعصائها على الملك كسرى الأول، إلا أنها نهضت من جديد. ولم تستسلم لهولاكو إلا بعد طمأنة حاميتها، قبل أن ينكث بوعده ويقتلهم.
تضم القلعة داخل أسوارها مجموعة متنوعة من المعالم الدينية والعسكرية والمدنية. من أبرزها جامع إبراهيم الخليل، والجامع الكبير، والبرج الشامخ، والثكنة الجنوبية، إضافة إلى دور سكنية مثل دار العواميد ودار الذهب ودار الشخص ودار العز، مما يجعلها نموذجاً متكاملاً للحياة داخل القلاع في العصور الوسطى. كما يشير الباحث عبد الله حجار إلى اكتشافات أثرية مهمة داخل القلعة، منها معبد يعود إلى القرن التاسع قبل الميلاد، ونواويس رومانية وبيزنطية، وصهاريج مياه من عهد الإمبراطور البيزنطي جستنيان (527–565م)، الذي أعاد بناء تحصينات حلب بعد تدميرها، معززاً بذلك موقعها الاستراتيجي في مواجهة الغزوات الفارسية آنذاك.
شهدت القلعة ازدهاراً ملحوظاً في العهد المملوكي، حيث رممها الظاهر بيبرس بعد انتصار عين جالوت عام 1260م. ثم نقش الأشرف خليل بن قلاوون كتابة شهيرة على مدخلها عام 691هـ توثق انتصاراته على الفرنجة والتتار. وفي العهد العثماني، وبعد معركة مرج دابق عام 1516م، تراجع دور القلعة العسكري تدريجياً لتتحول إلى مقر إداري وسكني لبعض الأهالي المعروفين بعائلات أغا القلعة.
يفصل الكتاب مراحل ترميم قلعة حلب عبر تاريخها الطويل. فقد قام الظاهر غازي بن صلاح الدين الأيوبي بحفر خندقها وتحصين مدخلها بثلاثة أبواب من الحديد المطرق وبناء مسجد كبير داخلها. وأعاد الظاهر بيبرس ترميمها بعد الغزو المغولي. وفيما بعد، تولى السلطان المؤيد شيخ ترميم الأسوار عام 1417م بعد تدمير تيمورلنك لها عام 1401م. كما تعرضت القلعة لزلازل مدمرة، أبرزها زلزال عام 1138م بقوة 8.5 درجات، ورُممت بعدها على يد نور الدين الزنكي الذي بنى أسواراً حديدية. وخربها زلزال آخر عام 1822م، فأجرى إبراهيم باشا ترميمات عام 1831م وبنى ثكنة عسكرية من حجارة المنحدرات.
يوثق الباحث حجار في كتابه أقدم الكتابات التاريخية في القلعة، ومنها كتابة تعود إلى محمود بن نصر بن صالح بن مرداس عام 465هـ/1072م، إضافة إلى كتابات من عهود نور الدين زنكي، والظاهر غازي، والعزيز محمد. وتوجد كتابات مملوكية في قاعة العرش وعلى بعض الأبراج من أيام السلطان برقوق وقانصوه الغوري، بالإضافة إلى كتابة عثمانية وحيدة تشير إلى السلطان سليمان القانوني. ولا يقتصر توثيق الكتاب على القلعة وحدها، بل يمتد ليشمل حمامات وخانات حلب، حيث يشير الباحث إلى وجود نحو 177 حماماً تاريخياً، من بينها حمام السلطاني وحمام الملك الناصر يوسف، اللذان يعكسان تطور العمارة الشرقية الإسلامية. كما توثق صفحات الكتاب الخانات المملوكية مثل خان الصابون وخان خايربك وخان أبرك، والخانات العثمانية مثل خان الوزير وخان النحاسين وخان العلبية وخان الحبل، إضافة إلى القيساريات الشهيرة.
إن تاريخ قلعة حلب الطويل والغني لا يمكن اختصاره بمقال واحد. ولكن الأهم الآن هو أنها بعد كل ما شهدته من أحداث خلال سنوات الحرب، ومعاناتها لفترة طويلة من الإغلاق والإهمال، وتنفيذ أعمال ترميم لاحقة استمرت لعدة أشهر، عادت منذ 27 أيلول الماضي لتستقبل زوارها القادمين لرؤية هذا المعلم السوري الأهم، الذي سُجل في قائمة التراث العالمي منذ عام 1986.
ثقافة
ثقافة
ثقافة
ثقافة