قراءة نقدية في "عاصفة الأنثى": مصطفى الشحود يمزج الحكاية بالقصيدة والتراث


هذا الخبر بعنوان "الحكاية والقصيدة في “عاصفة الأنثى” للأديب مصطفى الشحود" نشر أولاً على موقع syriahomenews وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٣ كانون الثاني ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
يقدم الناقد علي الدندح قراءة متعمقة في أعمال الأديب مصطفى الشحود، مشيرًا إلى ميله الواضح نحو شكل الحكاية، التي يعتبرها الجدة الكبرى للقصة القصيرة. يبرز الدندح كيف يوظف الشحود أدوات الشاعر ليبذر أرض بياضه سرداً، ليثمر في نهاية المطاف قصائد موزونة تتناغم مع نبض الحياة وخيط الأمل المنبثق منها. وقد اختصر الشحود هذا التوجه في إهداء صدر به مدونته الأولى التي حملت عنوان "عاصفة أنثى".
يأتي عنوان المجموعة، "عاصفة أنثى"، ليذكرنا بتسمية العواصف بأسماء نساء، وهو تقليد تاريخي ارتبط بالتقلبات المزاجية، وقد يُستخدم مجازياً لوصف قوة المرأة العاطفية، مع الإشارة إلى بعض الأعاصير القوية التي حملت أسماء مؤنثة. ولا يكتفي الكاتب والمسرحي مصطفى الشحود بتصوير الواقع، بشقيه الفعلي والتخيلي، تصويراً تقريرياً مباشراً، بل يعنى بالتعبير عنه إبداعياً وجمالياً من خلال دلالات رمزية شفافة. يتجلى ذلك في تعامله مع اللغة كإنجاز إبداعي، ومع العنصر المكاني والزماني ببراعة، مستحضراً صوراً مثل الشمس بلا لون، وظل الحرب قبل أنفاس الهروب الأخير، وحكاية الصمت، والأوراق المهاجرة، والترانيم، وشعلة السلام بين حربين، مؤكداً أن هذه "قصائد وليست قصصاً".
يلاحظ الدندح ميلاً لدى الكاتب نحو الموروث الشعبي، المستمد بوجه خاص من البيئة الريفية، والتراث المعبر عن الوجدان الجمعي بوجه عام. يوظف الشحود الأشعار الدفينة في بعض قصصه، ويستخدم تقنية الراوي في قصص أخرى، ما يؤكد توجهه نحو استلهام التراث من خلال تقنيات مستقاة من التراث العربي، لا سيما الشكل الملحمي أو المسرحي. وهذا ليس غريباً على الشحود، فهو المسرحي العتيق الذي خبر رائحة الخشب في أبهاء مسرحه قبل عطر الحبر والورق في القص والسرد.
يؤدي الراوي وظيفة مزدوجة في البنية القصصية؛ فهو تارة يقص ما حدث وما يحدث مسهماً في الأحداث، وتارة أخرى يعلق على الحدث دون أن يشارك في صنعه. يتجلى هذا الدور المزدوج عبر ضفاف اللغة الوصفية. ففي قصة "حذاء على صخرة"، يقول الشحود: "التفت بنا الطريق.. انزلقت في متاهة الطين.. النساء مشغولات بمهام يومية .. الرجال ينتشرون في أرجاء المخيم .. الأطفال يلعبون بين الصخور .. تلك الآلام التي لم يتمكنوا من التعبير عنها بالكلمات .. حدث الانفجار .. غادرنا ونحن نحمل في قلوبنا الحكاية والحلم..". تشكل هذه التقنية جسراً يربط بين الأمكنة، سواء كانت مفتوحة أم مغلقة، بادية أم مدينة أم قرية، كما تربط الأزمنة، ماضياً وحاضراً ومستقبلاً.
على صعيد آخر، يطغى الفعل المضارع على غيره من الأفعال، ما يشير إلى حضور اللحظة الآنية، المنسابة عبر تكثيف الإحساس بحركة الزمن الراهن. نلمس ذلك بوضوح في غالبية القصص، وبخاصة في القصة المعنونة "الحدث" التي تطرح رؤية للإحساس بالزمن عبر الصحو والحلم، وتتناول ثيمات مثل (الغربة، الذكريات، الحرب، ظل الحرب، حدود الصمت، شعلة السلام، صخرة النجاة).
إن استخدام الراوي يعد سمة بارزة في هذه المجموعة، وقد جاء عملاً موفقاً من الكاتب في استلهامه لتقنية من القص والسرد النثري، وفي تعامله مع حركة الزمن وانسيابيته إلى الأمام. وكما تهمس سارة لنفسها وهي تدفع العجين إلى التنور الساخن: "إنه ليس مجرد خبر. إنه معركة مع الحياة". كانت كلماتها البسيطة تعبر عن الصراع اليومي الذي يخوضه كل فرد في المخيم، وعن تلك المعارك التي يحاولون من خلالها النجاة. من خلال "عاصفة الأنثى"، وثق مصطفى الشحود جماليات الوجع والغربة والحنين بلغة القص الشعري. المجموعة القصصية صادرة عن دار العراب للطباعة والنشر بدمشق نهاية العام 2025.
ثقافة
ثقافة
ثقافة
ثقافة