حسن النيفي: شاعر المقاومة والمنفى.. سيرة مبدع سوري بين الكلمة والسجن والغربة


هذا الخبر بعنوان "الشاعر حسن النيفي.. رحلة بين غربتين" نشر أولاً على موقع sana.sy وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٤ كانون الثاني ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
دمشق-سانا
تجسد حياة الأديب والشاعر السوري الراحل حسن النيفي مزيجاً فريداً من الإبداع الأدبي والنضال الثقافي والالتزام السياسي، مما جعله رمزاً للشغف بالحياة والكرامة لجيل كامل، ومرآة تعكس تجربة السوري الذي عايش القمع والسجن والغربة. على مدى 62 عاماً من حياته، لم يفقد النيفي إيمانه بالحرية والفن، وامتدت مسيرته بين مدينتي منبج و دمشق، وتخللتها غربته في تركيا و فرنسا، لتشكل حكاية روح لا تعرف الانكسار، وشاعر جعل من الكلمة أداة مقاومة ونافذة أمل لكل من آمن بالعدالة والكرامة.
ولد النيفي في أسرة متواضعة بمدينة منبج في ريف حلب عام 1963. منذ صغره، كان شغوفاً بالشعر والأدب العربي، وتمكن من تحقيق حلمه بدراسة اللغة العربية في جامعة حلب عام 1983. في عام 1985، وهو طالب في سنته الجامعية الثالثة، أصدر ديوانه الشعري الأول بعنوان “هواجس وأشواق”.
في مطلع شبابه، كان للراحل اهتمام كبير بالنشاط السياسي والثقافي، خاصة في الجامعة. وقد تحدث عن هذه المرحلة خلال مقابلة أجراها معه موقع “تاريخي” المختص بالتوثيق الشفوي عام 2017، قائلاً: “نحن جيل تفتّح وعيُنا على مرحلة خطيرة جداً من تاريخ سوريا، وهي مرحلة الثمانينيات، حين اندلعت حالة من العصيان المدني شاركت فيه كثير من النقابات، حينها رأينا لأول مرة كيف كشّرت السلطة عن أنيابها ومارست أشد أنواع العنف ضد الشعب”.
استمر النيفي في نشاطه المعارض حتى اعتُقل عام 1986، وهو في سنته الجامعية الرابعة، وقضى 15 عاماً في السجن. كاد أن يُفرج عنه بموجب عفو عام 1991، لكنه رفض الالتزام بالشروط المطلوبة لإخلاء سبيله، فبقي معتقلاً برفقة 18 شخصاً آخرين. في أواخر حزيران من عام 2001، تم إخلاء سجن تدمر و سجن المزة العسكري، ونُقل المعتقلون إلى سجن صيدنايا بريف دمشق. كان حسن النيفي ضمن الدفعة الأخيرة التي توجهت إلى سجن صيدنايا بتاريخ 11 آب، حيث أمضى فيه الأشهر الثلاثة الأخيرة من مدة اعتقاله.
بعد اندلاع الثورة السورية، اضطر النيفي لمغادرة سوريا بسبب الظروف الأمنية القاسية وضيق هامش العمل الثقافي والفكري، بالإضافة إلى المخاطر والملاحقات التي كان يتعرض لها بصفته أديباً ذا موقف نقدي وتجربة سابقة طويلة مع الاعتقال. شكّل خروجه من البلاد منفىً قسرياً استمر حتى وفاته عام 2025 (وفقاً للمصدر)، ظل خلاله حاضراً بقوة في المشهد الثقافي السوري والعربي، وكتب نصوصاً عميقة عبرت عن تجربة السجن والمنفى والهمّ الإنساني والوطني.
قدم النيفي تصريحات عديدة لوسائل الإعلام حول موقفه من الثورة، مؤكداً أنها أعادت الاعتبار لمن ناضل ضد القمع في سوريا، وشدد على أن الكلمة والفكر هما أدوات النضال الحقيقية، وأدان بشدة العنف الموجه ضد المدنيين.
استعاد الكاتب الدكتور مهنا الرشيد في تصريح لـ سانا ذكرياته مع الراحل، ولقاءه به خلال أمسية ثقافية للشعراء السوريين المقيمين في تركيا، حيث ترك النيفي انطباعاً جميلاً لا يزول، معبراً عن أمله بأن يكون تأبينه مناسبة لتلاقي السوريين على المحبة، وتجسيد التقدير لروح المثقف السوري الراحل.
الشاعر الفلسطيني مصطفى مطر قال بدوره: “لم يكن حسن النيفي شاعراً فحسب، بل نموذج للمثقف والسياسي الملتزم، المنتمي لقضايا شعبه والمدافع عن كل حلم وجرح في سوريا، كانت دموعه الصادقة انعكاساً لانتمائه العميق، ومسيرته شهادة على شاعر سوري سخّر حياته وتجربته من أجل وطنه”.
الكاتب إبراهيم الجبين وصف الراحل بابن الحياة والتجربة، والذي صنعت منه سنوات الاعتقال إنساناً صلباً في السياسة ورقيقاً في الشعر، لا يتردد في قول الحقيقة أو نقد أي ظاهرة. كما أن تجربته في الثمانينيات شكلت وعيه على مواجهة القمع، وعلمته منبج حب الحياة والكتابة عنها، وظل الشوق إلى مدينته وحبه للحرية حاضراً في دواوينه حتى رحيله رمزاً لروح سوريّة صامدة لم تفقد الأمل.
الشاعر السوري الدكتور محمد زكريا الحمد قال عنه: “كان النيفي أحد الأصوات الثقافية التي جسدت التزام الكلمة وقيمها الإنسانية، ورغم تجربة السجن والنفي، واصل إبداعه الشعري، فأصدر عدداً من الدواوين متمسكاً بالقصيدة العمودية التي حمّلها هموم الإنسان والوطن وتجربة الاعتقال والمنفى”.
ترك الشاعر حسن النيفي إرثاً من الإصدارات الشعرية، من بينها “هواجس وأشواق”، “رماد السنين”، و “مرافئ الروح”. كما كان له كتاب بعنوان “مطارح الحالمين” قيد الطباعة.
أقام النيفي في غازي عنتاب التركية منذ مطلع عام 2014، قبل أن ينتقل لاحقاً إلى فرنسا. توفي يوم الخميس الـ 18 من كانون الأول الماضي في باريس، إثر أزمة صحية في المشفى بعد صراع مع المرض، لينقل جثمانه لاحقاً إلى سوريا ويدفن في مدينته منبج.
ثقافة
ثقافة
ثقافة
ثقافة