«أما وقد»: خليل الأسود يوثّق الثورة السورية وفظائعها من المنفى في ديوانه الأول


هذا الخبر بعنوان "الإصدار الأول لخليل الأسود.. قصائد الثورة السورية من المنفى إلى الحروف" نشر أولاً على موقع sana.sy وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٧ كانون الثاني ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
يُعدّ خليل إبراهيم الأسود شاعرًا من الجيل الجديد الذي نشأ في كنف الثورة السورية، وقد عكس ديوانه الأول، الصادر عام 2025 تحت عنوان «أما وقد»، التأثير العميق للثورة على تجربته الشعرية، لا سيما وأن عددًا من نصوصه كُتبت في المنفى.
يتألف الديوان من مستويين متوازيين في المضمون؛ الأول ذاتي يغوص في مشاعر الحب والحزن، متقاطعًا مع علاقة الشاعر بالمرأة والمجتمع. أما المستوى الثاني فيتناول الشأن السوري العام، حيث يرصد تداعيات الثورة وما أعقبها من أحداث مؤلمة كـالقتل والتخريب والاعتقال، وكيف انعكس ذلك على أدق تفاصيل الحياة اليومية. في كلا المستويين، تبرز الكتابة كفعل توثيقي وشهادة حية على ما يعيشه الشاعر في زمن التحولات القاسية.
يحتل مفهوم الحقيقة مكانة مركزية في الديوان، إذ يتعامل الشاعر معها بحذر شديد، وسط التباسها واختلاطها بالوهم في واقع شهد تزييفًا للمعنى وتشويهًا للوقائع. ينسجم هذا القلق المعرفي مع طبيعة الشاعر التي لا تسعى إلى يقين مطلق، بل تتجه نحو كشف ما وراء الأشياء وتأكيد حق الإنسان في امتلاك روايته الخاصة.
في هذا السياق، يتوقف الشاعر عند حادثة مقتل الصحفي الفرنسي جيل جاكيه، الذي كان أول صحفي أجنبي يُقتل في سوريا خلال الثورة، بوصفها لحظة مفصلية تتحول فيها القصيدة إلى شهادة على قتل الشاهد. ومن خلال هذه المقاربة، يواصل الشاعر فعل التوثيق، متنقلاً بين المدن، مسجلاً آثار الدمار والعنف، ومؤكدًا أن الشعر يمثل امتدادًا لفعل الشهادة.
فنيًا، يعتمد الشاعر على التنوع بين قصيدة التفعيلة وقصيدة الشطرين، مما يمنح الديوان حيوية إيقاعية وتنوعًا في البناء الفني. ويتجلى صراعه المستمر مع سلطة النظام البائد ورمزه القمعي، حيث تتصدى القصيدة لمحاولات الإخراس، بإصرار واضح على قول الحقيقة رغم التهديدات، ورفض الخضوع للقمع الداخلي والخارجي.
كما يتطرق الشاعر إلى قضايا كبرى تحولت إلى مآسٍ إنسانية في أماكن متعددة، من بغداد إلى فلسطين، مع حضور خاص للمأساة السورية. ورغم أن بعض النصوص كُتبت في مراحل سابقة، فقد لجأ الشاعر إلى الغموض الفني والمناورة اللغوية في سياق سياسي فرض الحذر، ليصبح هذا الغموض وسيلة إيصال لا إخفاء، تتيح للنص الوصول إلى قارئ يمتلك الوعي الكافي لتفكيكه.
تبرز في الديوان قدرة الشاعر على الجمع بين الذاتي والموضوعي، حيث تتسع «الأنا» لتحتضن همومًا عامة، فتغدو اللغة أكثر حيوية وعمقًا. وتتجلى قوة النص الشعري في لحظات التوازن بين الداخل والخارج، حين ينجح الشاعر في الحفاظ على حساسيته الجمالية دون أن يفقد ارتباطه بالواقع.
يختتم خليل الأسود ديوانه بقصيدة «كأنها الشام»، المؤرخة في الـ 19 من كانون الثاني 2025، محتفيًا بالنصر السوري بعد إسقاط النظام البائد. تمثل هذه القصيدة شهادة شعرية على نهاية مرحلة من الموت والدمار، وبداية أفق جديد للكتابة عن سوريا، حيث تمتزج فيها مشاعر الفرح بالتحرر مع الحزن على الشهداء والمعتقلين، في بناء شعري يخاطب أكثر من طرف، مستعيدًا تقنيات قديمة في الشعر العربي، ومعززًا حالة التوتر الشعوري بين الفقد والانتصار.
وعلى الرغم من أن الديوان هو التجربة الأولى للشاعر، وما قد يرافق البدايات من نبرة خطابية في بعض المواضع، إلا أن «أما وقد» يكشف عن موهبة شعرية واعدة، تتأرجح بين الغضب والاحتجاج من جهة، والتأمل الجمالي الهادئ من جهة أخرى، في تجربة تؤسس لمسار شعري مرشح للتطور والنضج في الأعمال اللاحقة.
يُذكر أن ديوان «أما وقد» صادر عن دار موزاييك للدراسات والنشر في نهاية عام 2025، ويقع في 160 صفحة من القطع المتوسط.
ثقافة
سياسة
ثقافة
ثقافة