حلب: تحولات الهوية من نسيج الثقافة إلى طيفٍ رقمي في زمن الصراعات


هذا الخبر بعنوان "طيف حلب الدائم" نشر أولاً على موقع hashtagsyria.com وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٩ كانون الثاني ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
منذ عقد ونصف، لم تعد مدينة حلب مقترنة بوصفها الخاص الذي عُرفت به. فقد تلاشت ملامح "النسيج" الحلبي وأصناف طعامها المميزة، لتتحول المدينة إلى مجرد خريطة لخطوط التماس وأسماء الأحياء. وتبدلت هويتها البصرية من "عاصمة الثقافة الإسلامية" قبل أعوام، إلى طيفٍ غير محدد المعالم من أنواع القذائف وأسماء الميليشيات. فجغرافيا حلب لم تخلق منتصراً ومهزوماً، بل أنتجت ألواناً من انكسار الثقافة أمام وطأة الصراعات.
عاشت كافة المدن السورية حالة مشابهة من رحيل الهوية البصرية، حيث ظل الحدث السياسي أو العسكري يخنق الأنفاس ويبدل كل التصورات التي عاشتها الأجيال في العقود الماضية. وإذا كان مصير المدن التاريخية هو التحول الدائم، فإن المساحة المتاحة في عصر الفضاء الافتراضي والذكاء الصناعي ربما لا تتيح إعادة أي هوية إلى مكانها الصحيح.
يتحدث الفكر السياسي عن عصر ما بعد الدولة، وتشهد المدن السورية حالة "ما بعد الثقافة"، حيث يصبح الشك واللايقين الحالة المثلى للعلاقات الإنسانية. وفي حلب، يتجلى هذا الأمر بقسوة، ليطرح معادلة صعبة بين النجاة والحفاظ على "قيم المدينة".
لم تكن حلب مجرد مساحة جغرافية فحسب، بل كانت فكرة. فالمدينة التي جمعت الحِرفي والتاجر والمثقف في نسيجٍ واحد، وتداخلت فيها الهويات في المهنة واللهجة والموسيقا، لن يكون انكسارها مادياً فقط، بل هو انهيار للرمز ولهويةٍ تلخص معنى "المدنية" السورية. وما يحدث لها هو لحظة انكشافٍ كامل لعجز الدولة والمجتمع معاً عن حماية هذا المعنى.
الأجيال الجديدة في حلب، التي لم تعرف المدينة قبل الحرب، ترى أحياءها من خلال الحدث ومن الفضاء الرقمي. فقد باتت ذاكرة "الفيسبوك" و"اليوتيوب" سجلاً بديلاً للمدينة التي انزاحت هويتها البصرية سريعاً. وأصبحت الصور القديمة والمقاطع القصيرة ذاكرة جمعية افتراضية، يشارك فيها أبناء المدينة المهاجرون في أقصى بقاع الأرض. وهكذا، تحولت حلب إلى فكرة موزّعة على "الخوادم" والصفحات، وغدت مدينة تُعاد صياغتها في العالم الرقمي بعدما تهشمت بصفتها تراثاً في العالم الواقعي.
لا يزال "طيف حلب" حاضراً بصفة عنصر تذكير ومساءلة، يطلّ من بين الركام ليذكّر السوريين بأن المدن لا تموت بل تتحوّل، وأن فقدان الشكل لا يعني بالضرورة انهيار الجوهر. ففي كل مدينة محطّمة، يظل لحلبٍ ظلٌ، فهي رمزٌ لفقدٍ عامّ وحنينٍ مشترك.
تدخل حلب مرحلة مختلفة من وجودها، فهي تتعلّم من هشاشتها. فوسط الإنهاك والفراغ، تُعيد تعريف نفسها بصفتها فكرة لا صورة، وبصفتها خبرة بشريةٍ تتشكّل من البقاء والتكيّف أكثر مما تتكوّن من المباني والأسواق. لم يعد السؤال فيها عن الأطراف التي تتحارب، بل عن المعنى الممكن للمدينة في زمنٍ فقدت فيه وظائفها الرمزية.
سيبقى "طيف حلب" مرآةً لكل المدن السورية، لأنه يعلمنا أن البقاء بذاته فعل ثقافي، وأن إعادة تعريف الهوية ليست مهمة النخبة فقط، بل مسؤولية كل من قرر أن يفتح نافذةً صغيرة في جدار الرماد، ويكسر أسماء الأحياء التي تشتعل ويجعلها جزءاً من تصورات القادم على الرغم من كل الفوضى التي تلف المدينة. (بقلم: نضال الخضري)
سوريا محلي
سوريا محلي
سياسة
سياسة