البطالة في سوريا: من مشكلة اقتصادية إلى تحدٍ اجتماعي يهدد مستقبل الأجيال


هذا الخبر بعنوان "البطالة وتداعياتها الاجتماعية.. خطر يتجاوز فقدان الدخل" نشر أولاً على موقع syriahomenews وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٢٢ كانون الثاني ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
تُعدّ البطالة اليوم من أبرز التحديات التي تواجه المجتمع السوري، فقد تحولت من مجرد مشكلة اقتصادية إلى ظاهرة اجتماعية ذات تداعيات عميقة على حياة الأفراد. فمنذ مطلع العقد الماضي، ومع التدمير الواسع للبنية التحتية الذي خلفه النظام المخلوع، وانهيار قطاعات الإنتاج، وتراجع مستوى التعليم، شهدت معدلات البطالة ارتفاعاً غير مسبوق، لتصبح هاجساً يومياً يثقل كاهل الشباب والأسر على حد سواء.
خلال السنوات الماضية، نشأ جيل كامل في بيئة مضطربة، حيث حُرم كثيرون من فرصة التعليم المنتظم بسبب النزوح أو الفقر أو تدمير المدارس والمنشآت التعليمية. هذا الجيل، الذي كان يُفترض أن يكون ركيزة المستقبل، وجد نفسه أمام واقع قاسٍ يتمثل في تعليم متقطع أو متدنٍ، ومهارات محدودة، وانعدام فرص التدريب والتأهيل. وحتى من تمكن من إتمام تحصيله العلمي، اصطدم بسوق عمل مغلق ومسارات شبه مسدودة.
علي قبلاوي، خريج كلية الهندسة المعلوماتية، يروي لـ"الثورة السورية" معاناته ومحاولاته المتكررة للعثور على عمل، قائلاً: "تخرجت منذ ثلاث سنوات ولم أجد أي فرصة عمل، حاولت السفر، لكن الظروف لم تسمح، واليوم أعمل بشكل متقطع في أعمال لا تكفي لسد حاجاتي الأساسية. قدمت سيرتي الذاتية للعديد من الشركات دون فائدة، فمعظمها لم يرسل لي أي رد". ويتساءل علي: "جميع الشركات تتطلب شروطاً تعجيزية وخبرة طويلة، فكيف أحصل على هذه الخبرة إذا لم أعمل باختصاصي في أي مكان؟".
إن غياب فرص العمل لا يقتصر على فقدان مصدر الدخل فحسب، بل يفتح الباب أمام مشكلات اجتماعية خطيرة. فقد وجد العديد من الشباب العاطلين عن العمل أنفسهم أمام خيارين أحلاهما مرّ: إما الاستسلام للفقر واليأس، أو البحث عن طرق غير مشروعة لكسب المال. ولم يقتصر الأمر على الكسب غير المشروع، بل انتشرت بين بعض الفئات ظواهر خطيرة أخرى، مثل تجارة وتعاطي المخدرات، أو الانخراط في أنشطة غير قانونية كالتهريب وغيرها.
في هذا السياق، التقت صحيفة "الثورة السورية" الباحث الاجتماعي أحمد حسين، الذي أكد أن "هذه الممارسات لم تأتِ من فراغ، بل كانت نتيجة مباشرة لغياب البدائل المشروعة، وانعدام الأمل في مستقبل أفضل. ومع تراجع دور المؤسسات التعليمية والتربوية، أصبح الشباب أكثر عرضة للانحراف، ما يهدد النسيج الاجتماعي ويزيد من معدلات الجريمة والفساد".
وفي المقابل، يشير حسين إلى وجود نماذج إيجابية في المجتمع السوري، موضحاً: "هناك شباب يحاولون مواجهة البطالة بطرق إيجابية، مثل العمل في مشاريع صغيرة أو التطوع في مبادرات مجتمعية، لكن هذه المحاولات تبقى محدودة أمام حجم الأزمة. الشاب السوري صمد خلال سنوات قاسية جداً، وأعتقد أن هناك أملاً حقيقياً في انخراط الشباب بعمليات إعادة الإعمار في المرحلة المقبلة".
في مختلف المناطق السورية، يعيش الأطفال والشباب بين الخوف والحرمان، مما أفقدهم البيئة الطبيعية للنمو والتعلم. ومع ذلك، برزت مبادرات مجتمعية تقودها مؤسسات تنموية حاولت سد جزء من هذه الفجوة. ففي ريف دمشق، يواصل المركز المجتمعي متعدد الأغراض تقديم برامج موجهة لفئة الشباب.
وتؤكد مديرة المركز، زينب حسن، في تصريح خاص لـ"الثورة السورية"، أن "المركز يضم قسماً خاصاً لدعم اليافعين والشباب، يقدّم فرصاً متنوعة، ويركز على تنظيم دورات مهنية وتعليمية تسهم في تنشئة جيل متعلم أو يمتلك خبرة في مجال معين، ما يسهل عليه الالتحاق بسوق العمل". وتضيف حسن: "نعمل على دعم المشاريع الصغيرة والمتوسطة لتوفير فرص عمل جديدة، كما نعيد تأهيل الشباب عبر الندوات والمحاضرات الداعمة، وننظم برامج تدريب مهني تستهدف مختلف الفئات، ولا سيما غير المؤهلين". ورغم محدودية هذه المبادرات، فإنها تشكل بارقة أمل للشباب الباحثين عن فرصة، وتسهم في الحد من الآثار الاجتماعية المتفاقمة للبطالة.
تواصلت "الثورة السورية" مع الجهات المعنية، وحصلت على رد من ممثلة وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل، رغداء زيدان، التي أكدت أن تأثير البطالة بالغ السوء على المجتمع، كونها تعطل إمكانات فئة واسعة من الناس، ولا سيما الشباب، وتقتل فيهم الطموح والقدرة على التطوير وبناء الخبرات. وأضافت أن البطالة تشكل تهديداً للسلم الأهلي والاستقرار الاجتماعي، وتضعف الشعور بالانتماء والمواطنة.
وأشارت زيدان إلى الإجراءات التي تعمل عليها وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل في المرحلة الحالية، موضحة أن الوزارة تسعى للحد من هذه الظاهرة عبر حزمة من التدابير، أبرزها توسيع برامج التدريب المهني وتنويعها، ودعم المشاريع الصغيرة والمتوسطة، وتقديم تحليلات دورية لسوق العمل من خلال منصة سوق العمل، إلى جانب المساعدة في إيجاد فرص وظيفية مناسبة. وختمت زيدان حديثها بالتأكيد على أن الوزارة تواصل التنسيق مع أصحاب العمل، وتعمل على تشجيع المسؤولية المجتمعية، وإتاحة فرص الاستثمار، والمساهمة في خلق فرص عمل جديدة، بما يسهم في التخفيف من حدة البطالة.
لا يمكن معالجة البطالة في سوريا بمعزل عن معالجة الأزمة الاقتصادية العامة، غير أن التركيز على فئة الشباب يجب أن يكون أولوية، كونهم يمثلون القوة القادرة على إعادة بناء المجتمع إذا ما أُتيحت لهم الفرص المناسبة. فالاستثمار في التعليم والتدريب المهني، ودعم المشاريع الصغيرة، يمكن أن يشكل مدخلاً أساسياً للحد من آثار البطالة.
اقتصاد
سوريا محلي
صحة
سوريا محلي