إيناس لطوف: مسيرة الصوت الأوبرالي من اكتشاف مهدي إبراهيم إلى قيادة "كورال ست الكل"


هذا الخبر بعنوان "“إيناس لطوف”.. الصوت الأوبرالي من وهج المسرح إلى نبض الكورال" نشر أولاً على موقع syriahomenews وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ١٢ شباط ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
بقلم: علي نفنوف
تترسخ بعض الأصوات في وجداننا بهدوء، وتبني علاقتها مع المستمع دون استئذان، تمامًا كما هو الحال مع صوت الفنانة إيناس لطوف منذ بداياتها. إنه صوت لا يعتمد على الصخب أو الاستعراض، بل يستند إلى ثقة داخلية وإحساس عميق يوجه النغمة قبل أن تنطلق.
في سنوات دراستها، كان واضحًا أن صوتها يحمل شيئًا مميزًا يتجاوز مجرد الخامة الجميلة، فهو حضور يفرض نفسه برقة. في تلك الفترة المبكرة، وقبل أن تقف على المسارح الكبيرة أو تلتقطها عدسات الكاميرات، كتبتُ عنها في جريدة «الوحدة» بسوريا. كان ذلك المقال بمثابة توثيق للحظة أولى لتشكل صوت واعد، وشعور خاص بمشاهدة الموهبة وهي تتفتح قبل أن يلامسها الضوء الواسع.
مع التحاقها بالمعهد العالي للموسيقى واختيارها الغناء الشرقي، بدأت موهبتها تتخذ شكلها الأكثر وضوحًا. لم تبدل الدراسة روحها، بل صقلت أدواتها، فعلمتها كيف تدير النفس، وكيف تبني الجملة الغنائية بتدرج هادئ، وكيف تمنح الطبقات العالية ثباتًا دون قسوة. لطالما أكدت إيناس أن الغناء ليس مجرد قوة صوت، بل هو مسؤولية إحساس، وأن التقنية تفقد قيمتها إن لم تخدم المعنى.
عندما ظهرت في برنامج «ذا فويس»، بدا حضورها امتدادًا طبيعيًا لمسيرتها، ولم يكن قفزة مفاجئة، بل محطة جديدة في طريق طويل. اتساع صوتها وقدرتها على الإسقاط وثبات النغمة في المساحات العالية، منح أداءها طابعًا قريبًا من الروح الأوبرالية، دون أن تنفصل عن الطرب الشرقي الذي يشكل هويتها. كانت تبني غناءها كالحكاية: تبدأ بهدوء، ثم تصعد تدريجيًا نحو الذروة، قبل أن تعود إلى القرار بثقة ونعومة.
في أعمالها الخاصة، مثل «بعتلك سلامي»، «يا عين لا تبكي»، و«سوا»، وفي تجديدها لبعض الأغاني التراثية، تجلى حرصها الواضح على الحفاظ على خط فني لا يساوم على الأصالة. حفلاتها في دمشق وطرطوس واللاذقية، ومشاركاتها في دار الأوبرا، ثم حضورها في مهرجانات خارج سوريا، رسمت مسارًا متدرجًا يفضل الثبات على الضجيج، ويضع الصوت في المركز دائمًا.
واليوم، تضيف إيناس لطوف إلى تجربتها مشروعًا جديدًا في طرطوس يحمل اسم «كورال ست الكل». يبدو هذا المشروع امتدادًا لرغبتها في الاحتفاء بالصوت الأنثوي القادر على حمل التراث وإعادة تقديمه بروح معاصرة، دون التخلي عن الجذور. ويمنح اختيار طرطوس للمشروع بعدًا مكانيًا حميمًا، ويعيد وصل التجربة بجمهور رافق خطواتها منذ محطات سابقة. هكذا تتواصل الحكاية: من طالبة لفتت الانتباه في باحة المدرسة، إلى فنانة تمتلك مشروعها الخاص. ما تغير هو اتساع المسار، أما الجوهر فبقي كما هو؛ صوت يعرف طريقه، يكبر على مهل، ويترك في الذاكرة أثرًا لا يزول.
ذهب عتيق
ثمة زاوية لا يمكن إغفالها عند الحديث عن إيناس لطوف، وهي علاقتها بالموسيقي والملحن السوري الكبير مهدي إبراهيم. ارتبط اسمه طويلًا بمشاريع فنية تعتمد على اكتشاف الأصوات الشابة وتطويرها ضمن رؤية تستند إلى الموروث الموسيقي السوري.
خلال زياراتي المتكررة، بصفتي صحفيًا، إلى مكتب مهدي إبراهيم، تعرفت على عدد من الأصوات المحلية التي كان يعمل عليها، ومن بينها صوت الطفلة آنذاك إيناس لطوف، التي كانت ما تزال طالبة في المدرسة، وقد لفتت الانتباه بموهبتها الغنائية المبكرة.
مرت السنوات، وأخذتنا الأيام كلٌّ إلى مساره، قبل أن أسمع لاحقًا عن فعالية بعنوان «ذهب عتيق» جمعت مهدي إبراهيم بالفنانة إيناس لطوف برعاية وزارة الثقافة السورية. الأجمل، بنظري، لم يكن في عنوان الحفل فقط، بل في رمزيته؛ فالأستاذ مهدي إبراهيم، والفنانة المتألقة إيناس لطوف، كانا هما «الذهب العتيق» الحقيقي. أما تلك الأيام التي جمعتهما، وتعرفت إليهما فيها عن قرب، فهي ذهبي الشخصي أيضًا؛ ذاكرة مهنية وإنسانية لا تُقاس بالزمن، بل بقيمة اللقاء.
ومن هنا، أستغل هذه المناسبة، عبر هذا المقال في موقع “أخبار سوريا الوطن” عن الفنانة الرائعة إيناس لطوف، لأقدم تحية شكر ومحبة لها، وللفنان الكبير مهدي إبراهيم، متمنيًا لهما دوام الإبداع والنجاح، لأنهما، ببساطة، عنوان لسوريا حين تنبض بالفن والحب.
(المصدر: أخبار سوريا الوطن)
ثقافة
ثقافة
ثقافة
ثقافة