وكلاء الذكاء الاصطناعي يقلبون الموازين: تحول جذري في سوق العمل وتداعيات اقتصادية كبرى


هذا الخبر بعنوان "البشر في مواجهة «وكلاء الذكاء الاصطناعي»" نشر أولاً على موقع syriahomenews وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ١٣ شباط ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
منذ دخول العالم عصر أنظمة الذكاء الاصطناعي، انهمرت وعود شركات التكنولوجيا الكبرى حول قدرات هذه الأنظمة، بينما كانت التجربة على أرض الواقع في بداياتها محبِطة. تحدثت الخطابات التسويقية عن ثورة فورية ستغير وجه العمل، وعن مساعدين رقميين يحلون محل البشر في مهمات معقدة، وعن مستقبل يندمج فيه الإنسان مع الآلة. لكن الواقع خلال العامين الماضيين تطلب صبراً تقنياً، حيث لم تستطع النماذج اللغوية في البداية خوض تجربة العمل المؤسسي المتكامل، ناهيك بمتطلبات الدقة القانونية والبرمجية.
عانت النماذج الأولى، مثل GPT-4 وحتى أوائل عام 2025، من مشكلات في الموثوقية، فكانت تعمل أحياناً بعبقرية وتخطئ في سياقات رغم الأوامر الواضحة. كانت هذه حال معظم الأنظمة التي اعتمدت على الدردشة فقط. باختصار، لم تكن قدرات الأنظمة قد نضجت كفاية لتتوافق مع التحذيرات التي أطلقها المحللون في البداية. كانت العناوين تتحدث عن «نهاية مهنة البرمجة»، بينما الشركات التي استثمرت الملايين وجدت نفسها أمام أدوات تحتاج إلى رقابة بشرية مستمرة، ما جعلها أدوات مساعدة وليست بدائل كاملة. لم تقدم تلك الأنظمة في بدايتها قيمة سوقية كافية لاعتبارها خطراً وجودياً على الوظائف المعقدة. نعم، كانت هناك حالات استخدام في كتابة المسودات وتوليد الأفكار، لكن أي مهمة تتطلب دقة متناهية أو عملاً متعدد الخطوات كانت تواجه عقبات تقنية. ظل المحامون والمبرمجون والمحللون الماليون العمود الفقري للعمليات، مستخدمين الذكاء الاصطناعي كمحرك بحث متطور أكثر منه موظفاً مستقلاً. استمر هذا الترقب الحذر قرابة ثلاث سنوات، من نهاية 2022 حتى بداية 2026، وهي سنوات من خفض التوقعات، أصبح فيها المستثمرون أكثر واقعية والخبراء أكثر تركيزاً على «النتائج»، تاركين الوعود خلفهم. ثلاث سنوات ظنت السوق فيها أن الذكاء الاصطناعي ليس «سحراً».
تغير المشهد بوصول شركة «أنثروبيك» إلى مرحلة نضوج نموذجها «كلود». هذه الشركة، التي ركزت منذ البداية على الأمان والموثوقية، بدأت في أواخر 2025 وبداية 2026 بتقديم ما يُعرف بـ«استخدام الحاسوب». النموذج اللغوي الكبير الذي اعتاد الناس التحدث معه قفز إلى مهمة جديدة مع «كلود أوبوس 4.6»: أصبح يستخدم الكومبيوتر بنفسه، وصار «وكيلاً» يفهم السياق وينفذ المهمات عبر الواجهات البرمجية والتطبيقات بشكل موثوق. والوكيل AI Agent هو توأم رقمي للمستخدم أو للموظف، يمكن الطلب منه شراء تذكرة أو الجلوس مكان موظف في شركة والعمل. ونتيجة لهذا النضج التقني، شهدت سوق الأسهم الخاصة بشركات البرمجيات التقليدية SaaS (البرمجيات كخدمة) إعادة تقييم ضخمة تبخر معها حوالي 2 تريليون دولار من قيمتها السوقية الإجمالية. يعني ذلك أن الشركات لم تنهار، إنما حصل تحول في نظرة المستثمرين إلى شركات مثل «مايكروسوفت»، و«أدوبي»، و«سايلز فورس» و«سيرفس ناو»، وبدأ السؤال الجوهري: لماذا ندفع اشتراكات ضخمة لبرمجيات خدمية إذا كان الذكاء الاصطناعي يستطيع إدارة البيانات مباشرة؟
السؤال الذي يطرحه الجميع في شباط (فبراير) 2026: ما الذي تغير؟ لماذا أصبح التأثير ملموساً الآن أكثر من أي وقت مضى؟ الإجابة تكمن في عوامل تقنية نضجت:
التداعيات اليوم كبيرة جداً. شركات البرمجيات التي تبيع «أدوات» أصبحت أمام منافس يقدم «نتائج». أنظمة إدارة العملاء والموارد البشرية أصبحت قابلة للأتمتة عبر وكلاء ذكاء اصطناعي يعملون مباشرة على قواعد البيانات، ما يفسر الضغط الكبير على القيمة السوقية لشركات مثل «سايلز فورس». ولتوضيح الصورة، شركة متوسطة كانت تدفع مبالغ طائلة لاشتراكات البرمجيات وتخصيصها وتدريب الموظفين عليها، تجد نفسها اليوم قادرة على استخدام وكلاء عبر واجهات برمجية تدير تفاعلات المبيعات، وتنشئ التقارير، وتتنبأ بسلوك العملاء، مع توفير يصل إلى 80 في المئة من تكاليف الاشتراكات والتشغيل التقليدية. على مستوى الوظائف، يواجه المبرمجون المبتدئون، ومحللو البيانات التقليديون، ومديرو المشاريع الإدارية تغيراً جذرياً في طبيعة عملهم. العمل لم ينتهِ، إنما المهمات الروتينية داخل هذه الوظائف هي التي تلاشت. وما كان يتطلب ثلاثة مبرمجين أصبح يحتاج إلى مبرمج واحد.
بالنسبة إلى الاقتصاد، نحن أمام سباق محتدم. «أوبن إيه آي» أطلقت قدرات مشابهة، و«غوغل ديب مايند» دمجت «جيميناي» في صلب العمليات الإنتاجية. ومع وجود منافسة شرسة من النماذج الصينية المفتوحة المصدر، تتجه السوق نحو سباق لخفض كلفة الأتمتة، ما يجعل «عمالة الوكلاء الرقمية» متاحة للشركات بأسعار زهيدة.
أصبحت الأسئلة الأخلاقية والاجتماعية اليوم واقعاً: كيف ستوزع الكفاءة الناتجة من هذه الأنظمة؟ وما مصير القوى العاملة التي تحتاج إلى إعادة تأهيل سريعة؟ وماذا عن العقد الاجتماعي الذي ربط بين العمل المكتبي والدخل؟ الاقتصاديون في 2026 يناقشون بجدية ضرائب الأتمتة وصناديق إعادة التأهيل السيادية. التغييرات تحدث بسرعة تفوق قدرة الحكومات على التكيف، ما يخلق فجوة بين سرعة التقنية وبطء التشريع. لقد وصلنا إلى نقطة اللاعودة. الثورة وصلت، وهي هنا الآن، وليس أمامنا سوى خيارين: إما أن نتصدى لهذه التحديات، أو أن نشهد تفكك النسيج الاجتماعي والاقتصادي الذي بني على مدى قرنين.
اقتصاد
علوم وتكنلوجيا
علوم وتكنلوجيا
علوم وتكنلوجيا