أميركا الإبستينية: تشريح العلاقة بين الانقسام الداخلي والسياسة الخارجية


هذا الخبر بعنوان "أميركا الإبستينية" نشر أولاً على موقع syriahomenews وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ١٧ شباط ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
يتساءل الكاتب بشار اللقيس عن مدى حاجة أميركا لسياسات خارجية، مشيرًا إلى أن هذا السؤال يلح في كل مرة تبرز فيها أزمة داخلية أميركية. يرى اللقيس أن السياسات الخارجية الأميركية، في جوهرها، هي انعكاس للمزاج الداخلي. وقد أقرّ كيسنجر نفسه، في كتابه الشهير، مطلع الألفية بوجود عطب بنيوي في السياسات الأميركية ناجم عن عطب داخلي أعمق.
تعيد غالبية الدراسات الأكاديمية الانقسام الأميركي إلى فترتين محوريتين: «الصفقة الجديدة» (1933-1945) في عهد روزفلت، و«المجتمع العظيم» (1964 – 1968) في عهد ليندون جونسون. كانت «الصفقة الجديدة» طرحًا من روزفلت يدعو لتدخل الدولة في السوق لمنع انهيارها، وقد أنقذت الرأسمالية من الكساد العظيم والفاشية. لم تكن مجرد منظور جديد لدور الدولة الاقتصادي، بل رؤية أميركية جديدة للعالم، مبنية على مبدأ ربط استقرار المجتمع الأميركي باستقرار النظام الدولي.
أما «المجتمع العظيم»، فرغم اعتباره محاولة لتهذيب الرأسمالية وإعادة هندسة الفقر عبر تنظيم العدالة الاجتماعية (الحقوق المدنية، دولة الرفاه)، إلا أنه لم يكن تحولًا في حجم الدولة ودورها الاجتماعي فحسب، بل وفي معنى القوة الأميركية وكيفية استخدامها خارجيًا. وقد جاء الانكسار الأميركي في فيتنام كصاعق أدى إلى ظهور الريغانية لاحقًا. فبينما أراد جونسون إعادة توزيع الثروة ودولة ناعمة داخليًا، كانت النتيجة دولة مهزومة وضعيفة خارجيًا. الحل الذي تبنته الإدارات الأميركية ما بعد ريغان كان تخفيفًا مؤسساتيًا من الأسئلة الأخلاقية داخليًا، مما يتيح تغولًا أميركيًا خارجيًا. حتى خطاب ترامب المعادي لـ«أوباما كاير» يحمل شيئًا من هذه التركة، حيث يرى ترامب وقطاعات واسعة من الأميركيين أن «الدولة الأخلاقية المسؤولة» تعني دولة ضعيفة وغير حاسمة خارجيًا. وحتى النخب الليبرالية، لا تساوم على التدخلية الأميركية بل على شكلها.
منذ الثمانينيات، لم يكن الانقسام الأميركي حول التعامل مع العالم بمعزل عن إرث «الصفقة الكبرى» و«المجتمع العظيم». فقد تزامن صعود النيوليبرالية ومدرسة شيكاغو (بنسختها الثانية مع ميلتون فريدمان وجورج ستيغلر وغراي بيكير) في الاقتصاد، مع صعود الاتجاه ما بعد الاستعماري في العلوم الإنسانية. وتحت وطأة هذا الانقسام، ظهر «الخيار الثالث» الكلينتوني داخل الحاضنة الديمقراطية. مع كلينتون، تراجعت المقاربات العسكرية البحتة لصالح المقاربات الهوياتية، وأصبح الشرق الأوسط يُقرأ من زاوية الهوية والمجتمع المدني والانفتاح الليبرالي، وهو ما انعكس في إدارة كلينتون خلال التسعينيات. لذا، اعتُبر كلينتون (وليس أوباما) هو خصم ترامب الحقيقي. الكلينتونية، في رأي الكاتب، تمثل نقطة التوازن بين وجهتي أميركا وحلم الإنسان الأميركي الجديد بالديمقراطية الليبرالية و«أميركا الرسالة» التي تُعد المؤتمن الوحيد على الإنسان الجديد.
يمكن تلمس أثر هذه الرؤى في مقولات غير سياسية ليوفال نوح هيراري في الفلسفة، وأنتوني غيدنز في علم الاجتماع، وحتى في السياسة لدى شمعون بيريز وإيهودا باراك. يذكر الكاتب حوارًا مسجلًا بين إبستين وباراك حول إسرائيل كـ«حاجة عقلية»، حيث يرى باراك أن المؤسسة الحاخامية تحد من قدرات إسرائيل، وأن إسرائيل ليست مجرد دولة يهودية بل أداة لتجويد النوع الإنساني. لذا، ناقش باراك مع إبستين ضرورة استقدام مليون روسي إلى إسرائيل (حتى لو كانوا من غير اليهود) مع الحد من نفوذ الحاخامية، وهي أفكار تعكس منطق «الخيار الثالث» الأميركي. نحن إزاء نوع من العلموية التي تتقدم برؤاها على العلمية الاشتراكية، مزيج من اليسار الثقافي، والعلموية المفرطة، والإيمان بالرأسمالية، حيث تُستحضر الثقافات الطرفية كفانتازيا عند الضرورة (مثل زيارات بيل كلينتون الكثيرة للشعوب واحتفائه بثقافاتها الهامشية).
كل هذه الأفكار تجسدت في جزيرة إبستين، الذي يصفه الكاتب بنبوءة نوفال هراري عن الحيوان الذي صار إلهًا بقدرات إلهية على الخلق والتدمير، وجزيرته تكثيف مادي لمفهوم الإنسان العاري أو المستثنى من الحماية القانونية بحسب جورجيو أغامبين. المتضررون من فضيحة إبستين هم كلينتون وترامب، وبشكل أدق، الكلينتونية والترامبية، حيث يشتركان في شبقهما العالمي وترددهما في الحسم خارج الحدود الإمبراطورية. يتساءل الكاتب هل تشكل فضيحة إبستين عتبة لانفلات القوة الأميركية خارجيًا؟ بالعودة لأدبيات جورجيو أغامبين، قد يستولد الوصم الاجتماعي للسلطة حالة من الاستثناء، لكن الاستثناء لا يضعف الدولة، بل قد يفضي إلى تغول السلطة بإعادة إنتاج قواعد الإدانة نفسها. ويختتم الكاتب متسائلًا عما إذا كانت أميركا الإبستينية ستعيد إنتاج ذاتها وفق مقاربة «العالم = الجزيرة»، حيث ينفلت حجم من الاستباحة للإنسان العاري في مشارق الأرض ومغاربها، والمفارقة أننا جميعًا عراة وضحايا لهذا الشبق اللامتناهي في هذا العالم الأميركي.
سياسة
سياسة
سياسة
سياسة