«الميكانيزم» في مهب الريح: إسرائيل تقاطع والولايات المتحدة تدفع نحو تفاوض مباشر وتغيير مهمة اليونيفيل


هذا الخبر بعنوان "التعطيل تمهيداً للإلغاء: مقاطعة إسرائيلية للجنة «الميكانيزم»" نشر أولاً على موقع syriahomenews وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٢٦ شباط ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
شهد اجتماع لجنة «الميكانيزم» الذي انعقد أمس في رأس الناقورة غياباً لافتاً للممثلين الإسرائيليين، كما تغيب رئيس اللجنة الجنرال الأميركي جوزيف كليرفيلد للمرة الثانية، ليحل محله أحد ضباط فريقه المساعد. هذا المشهد، الذي بدا منسقاً بين إسرائيل والولايات المتحدة، يهدف إلى إفراغ لجنة الإشراف على تطبيق اتفاق وقف إطلاق النار من جوهرها الذي يتمسك به لبنان بدعم فرنسي.
تُفسّر هذه الخطوات على أنها ابتزاز أميركي-إسرائيلي عبر اللامبالاة والتعنت، بينما تسعى فرنسا لتحسين وضعها مع لبنان. في هذا السياق، قام الوفد الفرنسي برئاسة نائب رئيس اللجنة الجنرال فالنتين سيلير بزيارة ثكنة الجيش في صور للاجتماع مع قائد قطاع جنوب الليطاني العميد نقولا تابت، الذي يمثل الجيش اللبناني في هذه الاجتماعات. وقد وصف اجتماع اللجنة بأنه «لا شيء»، في تكرار للاجتماع السابق الذي عقد في السابع من كانون الثاني الماضي.
يتضح مراراً أن أميركا وإسرائيل تسعيان لفرض وجهة نظرهما على آلية وشكل «الميكانيزم»، مع إصرارهما على تحويلها إلى إطار للتفاوض الثنائي والمباشر بين لبنان وإسرائيل برعاية أميركية فقط، مستبعدين بذلك فرنسا ومنهين مهمة اليونيفيل. وعلى الرغم من أن الاجتماع كان مقرراً له ألا يضم مدنيين، فقد ترأست فرنسا الاجتماع للمرة الأولى، بصفتها تشغل منصب نائب الرئيس، وذلك بسبب وجود الجنرال الأميركي جوزيف كليرفيلد في الولايات المتحدة.
في بيروت، بررت مصادر مقربة من الجانب الأميركي ما حدث بأن الجنرالات الأميركيين منشغلون حالياً بخطط الانتشار في المنطقة، وليس لديهم وقت لمتابعة ملف «مجمد». وأشارت المصادر إلى أن الأميركيين لا يخفون رغبتهم في التخلي عن الإطار الحالي، ويناقشون الجيش اللبناني في ضرورة تجاوز «عقدة المقر والمشاركة الأممية»، والانتقال إلى اجتماعات مثمرة عبر التفاوض المباشر. وبحسب مصادر رسمية لبنانية، يحاول الأميركيون في المرحلة الأولى التأكيد على عدم وجود مانع من أن يكون الاجتماع ذا طابع عسكري فقط.
وذكرت المصادر أن لبنان والجيش تجاوزا «كميناً» كان معداً في قاعدة تامبا الأميركية، حيث حاول الأميركيون جمعهم مع الضباط الإسرائيليين. لكن قيادة الجيش أبلغت العميد جورج الصقر برفض الاجتماع، بما في ذلك رفض أي محاولة لإدارة تفاوض غير مباشر، وأبلغت الجانب الأميركي تمسك لبنان بالصيغة الحالية التي تفرض الناقورة كمقر برعاية الأمم المتحدة ومشاركة فرنسا. يبرر الأميركيون غياب جنرالاتهم بالانشغال في الأزمة مع إيران، لكنهم يلحون على الجيش اللبناني للدخول في تفاوض مباشر خارج لبنان.
وكما كان متوقعاً، كان اجتماع الأمس «أقل من عادي لناحية المضمون والمفاعلات»، لكنه كان مطلوباً شكلاً التزاماً بوعود الولايات المتحدة بالتمسك باللجنة كإطار تمارس عبره نفوذها العسكري جنوباً، بحسب مصادر مواكبة. ولم يتمكن وفد فرنسا، الذي ترأس الاجتماع، من ممارسة الصلاحيات التي تستأثر بها أميركا عادة بسبب عدم اكتمال النصاب.
بالتزامن مع انعقاد اجتماع «الميكانيزم»، تقدمت قوة إسرائيلية مؤللة إلى محيط نقطة الجيش اللبناني المستحدثة في العمرة، بعد أن كانت إسرائيل قد هددت أول أمس باستهدافها في حال لم يتم إخلاؤها. ومع اقترابها، استنفر الجنود وتدخلت قوة من اليونيفيل. وبعد اتصالات أجريت مع المجتمعين في رأس الناقورة، تراجعت القوة المعادية. كان اعتداء العمرة في صدارة الملفات التي حملها وفد الجيش إلى رأس الناقورة. وقد ادعى جيش الاحتلال في بيان سابق أن تمركز الجيش في النقطة لم يُنسّق مسبقاً معه.
أوضحت مصادر متابعة لـ«الأخبار» أن استحداث نقطة المراقبة في تلة العمرة يندرج ضمن خطة لتعزيز انتشار الجيش في الثغرات الحدودية التي تتسلل منها قوات الاحتلال إلى الأراضي اللبنانية، وقد سبقها استحداث نقاط حدودية عدة من عيتا الشعب إلى كفركلا. وأكدت المصادر أن الخطة، بما فيها نقطة العمرة، «منسّقة مع لجنة الميكانيزم»، ما يعني أن إسرائيل كانت على علم مسبق بالخطوة، لكنها رفضتها نظراً للموقع الاستراتيجي للتلة. وحتى ليل أمس، كانت قيادة الجيش ترفض سحب عديد النقطة، فيما عملت قوة من الجيش يوم أمس على استحداث نقطة في تلة المطران المقابلة للأطراف الجنوبية لسهل الخيام والمحاذية لتلتي يعقوصا والحمامص المحتلتين.
يتصرف الجميع وكأنه لا ينتظر من «الميكانيزم» أي خطوة جدية لردع إسرائيل عن اعتداءاتها على الجيش، خصوصاً وأن آلية التواصل باتت أقرب إلى حال الإطار الذي كان يضم ممثلين عن الجيشين اللبناني والإسرائيلي بين عامي 2006 و2023 برعاية اليونيفيل، حين غرق في الشكليات دون أن توقف الاعتداءات. ويُرجح أن تكون المماطلة عنوان المرحلة المقبلة من عمل «الميكانيزم»، بعد تعليق التمثيل المدني.
وبحسب المصادر، تلعب الولايات المتحدة وإسرائيل في الوقت الضائع على مستويين: الأول، إنهاء دور الأمم المتحدة في الجنوب بالتوازي مع استكمال خفض عديد اليونيفيل. وفي هذا السياق، يُنتظر أن يناقش مجلس الأمن في نيسان المقبل اقتراحاً بشأن مهمة بديلة لمهمة حفظ السلام، وسط تداول بفكرة إنشاء بعثة مراقبين دوليين تنتشر على الحدود الجنوبية لمراقبة تطبيق اتفاق وقف إطلاق النار. أما المستوى الثاني، فيتمثل في حصر النفوذ الميداني في الجنوب بالولايات المتحدة وإسرائيل عبر «الميكانيزم» الثلاثية، بما يهمش أي تأثير لطرف ثالث، من فرنسا إلى ألمانيا وبريطانيا وصولاً إلى الأمم المتحدة.
وتشير المصادر إلى أن التسوية التي تعمل عليها واشنطن وتل أبيب تقوم على إنشاء منطقة خالية من السكان على طول الحدود الجنوبية، ينتشر فيها الجيش اللبناني بإشراف «الميكانيزم»، وهو مخطط حاولت إسرائيل تمريره سابقاً عبر تحويل الاجتماع الثلاثي إلى قناة تفاوض مباشرة مع لبنان. وإلى أن تتضح مآلات هذه الترتيبات، تعمل إسرائيل على إفشال المقترحات الأوروبية وغيرها بعدما أنهت مهمة اليونيفيل بصيغتها الحالية. فالحليفتان، بحسب المصادر، نجحتا في ضرب روحية مهمة حفظ السلام التي لن يُجدد لها بشكلها الراهن. غير أن السؤال يبقى: إذا كانت اليونيفيل، بعديدها وغطائها الدولي، لم تتمكن من حماية المدنيين، فهل تفعل ذلك «الميكانيزم» التي لا تملك قوة على الأرض؟
كشفت مصادر مطلعة لـ«الأخبار» أن التبريرات التي قدمها السفير الأميركي في لبنان ميشال عيسى لعدم مشاركته في اجتماع القاهرة التمهيدي لمؤتمر باريس لدعم الجيش، لا تعكس حقيقة الموقف الأميركي. وقالت إن المناقشات كانت تشير إلى أن واشنطن فكرت في إرسال وفد سياسي-عسكري إلى الاجتماع، بمشاركة عيسى الذي اعتذر قبل وقت قصير من الموعد. ونقلت المصادر عن أحد الرؤساء الثلاثة في لبنان قوله إن السفير عيسى تعرض لضغوط من قبل جهات في الولايات المتحدة، بسبب عدم قدرته على إقناع الحكومة بأن يحدد الجيش جدولاً زمنياً مع آلية عمل لتنفيذ المرحلة الثانية من خطة حصر السلاح شمال نهر الليطاني، وأنها طلبت منه الاعتذار عن عدم حضور اجتماع القاهرة كرسالة احتجاج غير مباشرة.
وفي وقت لاحق، عُلم أن السفير عيسى تقصد الحديث عن الأمر مع عدد من المسؤولين، إذ قال إنه مكلف بإعلان موقف يعبر عن «استياء الإدارة الأميركية من عدم وضع جدول زمني». ولفتت المصادر إلى أن الجانب الأميركي يتصرف بـ«درجة عالية من الثقة» بأن عدم وضع جدول زمني لم يكن بطلب من السلطة السياسية. وأضافت المصادر: «إن الأميركيين يعتبرون أن الجيش هو من أراد القرار، وأن هناك محاولة لربط إجراءات الجيش الجديدة بحصوله مسبقاً على الدعم الذي يطلبه، والذي يتوقع الحصول عليه في مؤتمر باريس».
سياسة
سياسة
سياسة
سياسة