الدراما السورية: هل تعكس الواقع أم تكرس اليأس وتطبع مع الانهيار؟


هذا الخبر بعنوان "سوريا وسط الرؤية الدرامية" نشر أولاً على موقع hashtagsyria.com وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٢٧ شباط ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
في مقال رأي بقلم نضال الخضري، يتناول الكاتب حالة الرعب الحقيقي التي تثيرها الصور الدرامية المتدفقة علينا خلال شهر رمضان. هذه الأعمال تخلق مساحة من القلق تخنق المشاهدين في المدن التي يعيشون فيها، وتجعلهم أحياناً يفقدون أنفسهم وهم يبحثون عن شخصيات تجسد علاقاتهم الاجتماعية. فبينما يُعد الصراع مشروعاً في العمل الدرامي، إلا أنه يقضي أيضاً على ما تبقى لدينا من يقين وثقة بأننا نعيش ضمن مجتمع طبيعي.
ما يدفع إلى اليأس هو ضآلة فرص النجاة من هذا الخيال المرضي، حيث تُعرض سلسلة من المؤامرات الفردية ودوائر الفساد حتى داخل العائلة الواحدة، وجرائم نُجبر على متابعتها بعد يوم رمضاني طويل. نغادر الشاشة مثقلين بإحساس مضاعف بالهزيمة؛ هزيمة الواقع حين يُنقل إلينا كهموم تثقل كاهلنا، وهزيمة الخيال حين يتحول إلى مرآة مشوهة لا تعكس سوى القبح وتعممه كقاعدة.
المشكلة لا تكمن في الدراما بوصفها فناً للصراع، فهو جوهر الحكاية وشرط تطورها. لكن الإشكالية الحقيقية تكمن في اختزال المجتمع بصورة تتجاوز الوجع، وتحاول أن تجعلنا دمى داخل مشاهد درامية. هذا التوجه يكرس سردية الفساد كقدر لا فكاك منه، ويجعل الخيانة اللغة الوحيدة للعلاقات، ويصور النجاة بأنها لا تتحقق إلا على أنقاض الآخرين. وهنا، لا تعود الدراما أداة مساءلة، بل تتحول إلى آلية تطبيع مع الانهيار.
في سوريا، لسنا بعيدين عن تعب تراكم في الجدران قبل الوجوه، وعن شقوق اتسعت بصمت حتى صارت العتبات أعلى من قدرتنا على العبور. وحين تتكفل الدراما بتكبير هذه الشقوق، دون أن تترك بينها وبيننا مسافة للتأمل، فإنها لا تكتفي بعرض الندوب، بل تحولها إلى هوية كاملة. فالمشاهد الذي يدخل الحكاية بحثاً عن خيط يرمم المعنى، يخرج منها محاطاً بعتمة مضاعفة؛ كأن الضوء نفسه متهم، وكأن النجاة لا تمر إلا عبر سقوط آخر.
لا نريد أن تتحول الحكاية إلى موعظة تعلق على جدار، ولا أن تنشغل بتلميع الواجهة بينما يتآكل الداخل. ما نحتاجه هو سرد يجرؤ على ملامسة الجرح دون أن يتلذذ بعرضه، وأن يقترب من العطب وهو يدرك أن خلف كل تصدع تاريخاً من الإهمال، وخلف كل سقوط طبقات من الصمت المتراكم. يجب أن نرى الجريمة لا كفعل يتكرر لأن الكاتب يريد رسم متاهة اجتماعية، بل كظل طويل لاستثناءات تحدث، فلا يبدو الشر صفة فطرية، بل نتيجة مسار يمكن فهمه... وربما تغييره.
إن الإغراق في الصور الدرامية السوداوية، دون توازن، يرسخ قناعة خطيرة بأن المجتمع السوري كيان مفكك أخلاقياً، وأن الفرد محكوم بالانتهازية كقدر وجودي. وهذه سردية مريحة لمراكز القرار السياسي ولصناع الدراما الباحثين عن الربح؛ فهي تعفي البنى الكبرى من المساءلة، وتحصر المسؤولية في أفراد متناحرين داخل عائلة أو حارة أو مؤسسة.
ليست المشكلة في أن نشاهد وجعنا، بل في صياغة هذا الوجع. فهل يُقدم بوصفه قدراً محتوماً؟ أم باعتباره نتيجة سياسات وخيارات يمكن تغييرها؟ هنا يظهر الفارق بين دراما تعيد إنتاج اليأس، ودراما تفتح نافذة – ولو ضيقة – على إمكانية المعنى والأمل.
ثقافة
ثقافة
ثقافة
ثقافة