مسلسل "أنا وهي وهيا": رحلة في أعماق البيت السوري بين صراع الحب والشك وتغير الأدوار


هذا الخبر بعنوان "“أنا وهي وهيا”.. الصراع بين الحب والشك في قلب البيت السوري" نشر أولاً على موقع enabbaladi.net وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٢٧ شباط ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
يشهد الموسم الدرامي الحالي حضورًا لافتًا للمسلسل الاجتماعي "أنا وهي وهيا"، الذي يعيد للدراما السورية دفئها المعهود ويقدم حكاية معاصرة تنبض بتفاصيل الحياة اليومية وهموم البيت، بعيدًا عن المبالغات أو الإيحاءات المثيرة للجدل. المسلسل من بطولة النجم باسل خياط وتاج حيدر، ويغوص في أعماق العلاقات الإنسانية مع تصاعد شكوك الخيانة التي تقلب موازين الحياة.
تدور أحداث المسلسل حول شخصية "طارق"، الصحفي الناجح الذي يجد نفسه فجأة خارج مهنته، في ضربة مفاجئة تهز استقراره النفسي والاجتماعي. لا يتعامل باسل خياط مع فقدان العمل كأزمة مادية فحسب، بل كزلزال داخلي يطال صورته عن نفسه ودوره في الأسرة والمجتمع. ومع كل حلقة، نتابع تحولات هذا الرجل الذي يُجبر على إعادة تعريف ذاته، وسط شعور متنامٍ بالعجز والغيرة والارتباك.
في المقابل، تدخل الزوجة "هيا"، التي تؤديها تاج حيدر، عالم البودكاست في خطوة غير متوقعة. نجاحها السريع وانتشارها الواسع يضعانها تحت الأضواء، ويخلقان اختلالًا واضحًا في توازن العلاقة الزوجية. تتبدل الأدوار داخل المنزل، وتطفو أسئلة الطموح والاستقلالية والغيرة إلى السطح، لتصبح العلاقة أمام اختبار حقيقي: هل يتحمل الحب تغيّر المواقع؟ أم أن النجاح الفردي قد يتحول إلى فجوة عاطفية؟
تبدأ "هيا" تغمرها الشكوك بشأن خيانة زوجها "طارق"، نتيجة سوء فهم وقع بينه وبين الشابة "رباب"، التي تؤديها ترف التقي. تأتي هذه الأزمة في وقت يمر فيه طارق بصراع داخلي حاد، إذ تتصارع فيه أزمات الهوية مع ضغوط والده المتسلط، إلى جانب فشل مهني أحاط به، ما يجعل الموقف مشحونًا بالعاطفة والتوتر، ويحوّل العلاقة الزوجية إلى ساحة معقدة من الغيرة والاتهامات والمشاعر المكبوتة.
تتصاعد الأحداث حتى تصل "هيا" إلى حد اتخاذ قرار حاسم بالطلاق، فتتهيأ لمغادرة المنزل مع ابنتيها، عائدة إلى بيت أهلها، لتبدأ مرحلة جديدة من الانفصال العاطفي. ومع انتقالهما، تشعل الابنتان بدورهما دوامة من التوتر النفسي، حيث يتغير مسار حياتهما اليومية وتتبدل قواعد التفاعل مع والدهما. تفرض والدتهما ضوابط صارمة على علاقتهما به، ما يعكس الأثر النفسي العميق الذي يتركه الانفصال على الصغيرتين، ويبرز الصراع بين الرغبة في الحماية والحنين إلى الأبوة، في مشهد يحاكي الأبعاد النفسية المعقدة للعائلة في ظل الانكسارات والعلاقات المتشابكة.
يحمل خط الصراع أبعادًا أكثر تعقيدًا مع حضور كل من لجين إسماعيل ورهام قصار، حيث يتقاطع دوراهما في قلب العاصفة العاطفية التي تضرب العلاقة الزوجية. ويكتسب خط الدكتور ناصر، الذي يجسده لجين إسماعيل، عمقًا إضافيًا حين تنكشف جذور علاقته القديمة بالبطل طارق، فالرجلان يجمعهما ذكرى عاطفية عالقة، إذ كانا في الماضي واقعين في حب الفتاة نفسها. تلك الحادثة، التي بدت وكأنها طُويت مع الزمن، تركت في نفس "طارق" ندبة خفية تحوّلت إلى شعور دفين بالغيرة والمرارة، وأسست لبذرة تنافس لم تنطفئ تمامًا.
تبدأ مداخلة الدكتور ناصر من موقع الداعم الهادئ، طبيب تجميل متزن يصغي أكثر مما يتكلم، ويبدو كأنه يقدم النصيحة بحياد مهني وإنساني، غير أن هذا الحياد سرعان ما يتآكل مع احتدام الصراع، لتظهر أبعاد أخرى لشخصيته، إذ يتداخل التعاطف مع الإعجاب، والاهتمام مع الرغبة في الاقتراب أكثر من هيا. هنا، يصبح حضوره عنصرًا ضاغطًا نفسيًا على الزوج.
في المقابل، تؤدي رهام قصار دور صديقة الزوجة المحامية "سارة"، التي تبدأ كمستشارة قانونية مقربة، قبل أن تمسك بخيوط الأزمة وتتولى إدارة إجراءات الطلاق، فتتحول إلى محرّك فعلي للأحداث. ومع توالي الحلقات، تنكشف خلفيتها الشخصية وتجربتها الخاصة مع الانفصال، ما يفسر اندفاعها الحاد وتورطها العاطفي في تفكيك العلاقة.
ما يميّز "أنا وهي وهيا" بناؤه التراكمي، فكل حلقة تضع حجرًا جديدًا في جدار الأزمة، فلا يعتمد العمل على أحداث صادمة، بل على تصعيد نفسي مدروس ينطلق من التفاصيل الصغيرة: حوار عابر، صمت ثقيل، نظرة مشحونة بالعتب. تتشابك الخلافات المهنية بالعاطفية، ويتحول البيت إلى ساحة صراع صامت بين الإحباط والطموح.
ورغم أن حبكة العمل تبدو للوهلة الأولى بسيطة، إلا أن قوتها تكمن في قربها من الواقع. فالمسلسل لا يراهن على الإثارة المفتعلة، بل على مشاعر مألوفة يعيشها كثيرون: الخوف من الفشل، الغيرة من نجاح الشريك، القلق من تبدل الأدوار داخل الأسرة. كل حلقة تنتهي عند ذروة درامية صغيرة، تمهّد لما يليها، ما يمنح الأحداث ترابطًا واضحًا ويحافظ على إيقاع تصاعدي مشوّق. الصراع بين الزوجين لا ينفجر دفعة واحدة، بل يتراكم بهدوء، من سوء فهم عابر إلى مواجهة صريحة، ومن عتب خافت إلى أزمة ثقة حقيقية. هذا التصاعد المدروس جعل المشاهد شريكًا في التفاصيل، يتتبع التحولات النفسية للشخصيتين خطوة بخطوة، ويشعر بأن ما يحدث على الشاشة قد يكون صورة من حياته أو حياة من حوله.
إلى جانب باسل خياط وتاج حيدر، يضم العمل نخبة من نجوم الدراما السورية، من بينهم لجين إسماعيل ورهام قصار ونادين خوري وتيسير إدريس ووفاء الموصللي وترف التقي وسوسن ميخائيل وكفاح الخوص، في توليفة تجمع أجيالًا مختلفة، ما يمنح العمل ثراء في الأداء وتنوعًا في الحضور. المسلسل من إخراج نور أرناؤوط، وتأليف إياد أبو الشامات، بإشراف فني فراس العمري، ومن إنتاج شركة إيبلا الدولية للإنتاج الفني.
يحصد "أنا وهي وهيا" أصداء إيجابية ملحوظة منذ عرض حلقاته الأولى، إذ اعتبره كثير من المتابعين عودة إلى روح الدراما السورية "المحترمة" التي تراعي خصوصية البيت، وتبتعد عن الألفاظ الجارحة أو الإيحاءات التي قد تُشعر العائلة بالحرج أثناء المشاهدة. ويرى جمهور واسع أن العمل أعاد إليهم ذاكرة الدراما الاجتماعية التي تدخل كل بيت بثقة، وتناقش قضاياه بلغة هادئة وبعيدة عن الابتذال. فنجاح المسلسل لم يكن قائمًا على الصدمة، بل على صدق الطرح وقربه من الناس، وهو ما منح الحكاية، رغم بساطتها، تأثيرًا عاطفيًا واضحًا.
في المحصلة، يقدّم "أنا وهي وهيا" نموذجًا لدراما اجتماعية تستند إلى الاحترام قبل الإثارة، وإلى البناء التراكمي قبل المفاجآت الصاخبة. وبين خسارة مهنية ونجاح مفاجئ، وبين دعم العائلة وتدخل الأصدقاء، يبقى السؤال مفتوحًا: هل يمكن للحب أن يصمد أمام تبدّل الموازين؟ أم أن التحولات الكبرى تترك أثرًا لا يُمحى في قلب العلاقة؟
ثقافة
ثقافة
ثقافة
ثقافة