"السياييل": طبق الرقة التراثي الذي يروي قصص الألفة ويصون الهوية الثقافية


هذا الخبر بعنوان "السياييل.. طبق رقاوي تقليدي يحافظ على الموروث الشعبي" نشر أولاً على موقع sana.sy وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٧ كانون الثاني ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
تختزن المحافظات السورية، عبر تاريخها العريق، موروثاً ثقافياً غنياً يعكس التنوع البيئي والاجتماعي، ويجسد أنماط حياة السكان وعاداتهم اليومية. لا يقتصر هذا التراث على الآثار والمعالم التاريخية فحسب، بل يتجلى أيضاً في تفاصيل الحياة اليومية البسيطة، وفي مقدمتها المطبخ الشعبي بما يحمله من نكهات أصيلة وقصص وذكريات تتوارثها الأجيال.
وفي محافظة الرقة، يشكل التراث الغذائي عنصراً جوهرياً في الهوية المحلية. فما زالت العديد من الأكلات الشعبية القديمة حاضرة بقوة في الذاكرة الجماعية للأهالي، وتحافظ على مكانتها المرموقة في المناسبات الاجتماعية والطقوس العائلية. ومن بين هذه الأكلات، يبرز طبق "السياييل" كأحد الرموز التراثية التي تختزل تاريخ المدينة وعلاقتها الوثيقة بالأرض والناس، وتعكس خصوصية الموروث الثقافي لأهالي الرقة.
للحديث عن أصل طبق السياييل، أوضح عبد الرزاق العبيو، عضو أصدقاء المتحف الوطني في الرقة، لمراسلة سانا، أن هذه الأكلة تُعد من أقدم الأكلات التراثية التي عرفتها الرقة. تعود جذورها إلى بدايات الاستقرار الحديث في المحافظة خلال ستينيات القرن التاسع عشر، حيث نشأت في البيئة المحلية وارتبطت بأنماط العيش والعلاقات الاجتماعية السائدة آنذاك. وقد توارثتها الأجيال جيلاً بعد جيل، محافظةً على حضورها البارز في المطبخ الرقاوي حتى يومنا هذا.
وأكد العبيو أن "السياييل" تمثل موروثاً شعبياً خاصاً بأهالي الرقة، ولا تزال تحتفظ بمكانتها المتميزة بين الأطعمة التقليدية، بوصفها جزءاً لا يتجزأ من الهوية الغذائية والاجتماعية للمحافظة. فهي ترتبط ارتباطاً وثيقاً بالمناسبات العائلية والاجتماعية، وتعكس روح التكاتف والبساطة التي طبعت حياة أبناء المنطقة على مدى عقود طويلة.
عن مكونات ومراحل تحضير هذا الطبق، بيّن العبيو أن طبق السياييل يُصنع من عجين رقيق يُخبز على الصاج، ويُضاف إليه السمن العربي والقطر. وفي بعض المناطق، تُستخدم السكر أو الحليب بدلاً من القطر، وذلك حسب العادات المحلية. ويُضيف الأهالي المكسرات مثل الجوز أو الفستق الحلبي حسب الرغبة، لتكتمل نكهة الطبق التقليدية الفريدة.
تتولى النساء الدور الأساسي في إعداد أكلة السياييل، حيث يشكل عملهن المشترك في تحضيرها تقليداً تراثياً يعكس روح التعاون والألفة في المجتمع الرقاوي. وفي هذا الصدد، تقول أم طلال، وهي سيدة ستينية من ريف الرقة: "إن تحضير السياييل لا يقتصر على كونه عملاً منزلياً، بل يشكل طقساً اجتماعياً متكاملاً. تجتمع النسوة في ساعات الصباح الباكر حول الصاج المشتعل، ويبدأن بخلط الطحين بالماء وعجنه بأيدٍ اعتادت هذا التقليد منذ سنوات طويلة، في أجواء تسودها الألفة وتعلوها الأحاديث والضحكات، لتتحول عملية التحضير إلى مساحة للتواصل وتقوية الروابط بين النساء."
وأضافت أم طلال أن هذا الطبق يُحضَّر في المناسبات الاجتماعية المختلفة مثل الأعياد وحفلات الزفاف، ويُقدَّم حصراً في المنازل باعتباره جزءاً أصيلاً من الضيافة التقليدية، ولا يُباع في الأسواق. وأوضحت أنه يُقدَّم عادة إلى جانب أطعمة مالحة مثل "الجيكة" (الكبة النيئة)، بهدف موازنة دسامة السمن العربي وحلاوة القطر في السياييل، ما يمنح الضيوف تجربة مذاق متكاملة تجمع بين الحلو والمالح.
يبقى طبق السياييل رمزاً حياً لتراث الرقة العريق، ليس فقط كوجبة تقليدية شهية، بل كحامل لذكريات الألفة والروابط الاجتماعية بين الأهالي. ويؤكد الحفاظ على مثل هذه الأكلات الشعبية قيمة الموروث الغذائي، ويعزز الهوية الثقافية والاجتماعية للمحافظة، ويضمن استمرار تاريخها الحي في ذاكرة الأجيال القادمة.
ثقافة
ثقافة
ثقافة
سوريا محلي