الأرق واضطرابات النوم: كشف أسرار فيزيولوجيا الجسد وسبل استعادة ليلة هانئة


هذا الخبر بعنوان "رحلة في متاهات الأرق وفيزيولوجيا النوم" نشر أولاً على موقع sana.sy وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٢٨ أيار ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
دمشق-سانا في عصر تتداخل فيه ساعات اليقظة مع الليل بفعل ضغوط الحياة اليومية وهيمنة الشاشات الرقمية، لم يعد النوم مجرد وظيفة بيولوجية تلقائية، بل تحول إلى تحدٍ معقد يتطلب البحث عن حلول جذرية. فالأرق لم يعد عرضاً ليلياً عابراً، بل بات ظاهرة تستدعي دراسة معمقة لأسبابها، وتقصي ملف النوم واضطراباته من منظور علمي دقيق للوصول إلى سبل العلاج الفعالة.
يصف استشاري الطب النفسي، الدكتور مأمون توفيق مبيّض، في حديثه مع سانا الثقافية، النوم بأنه "منحة إلهية تستحق التدبر"، مستشهداً بالآية الكريمة: ﴿وَجَعَلْنَا نَوْمَكُمْ سُبَاتًا﴾. ويؤكد مبيّض أن الانسجام مع إيقاع الطبيعة ليس مجرد رفاهية روحية، بل هو ضرورة فطرية لا غنى عنها لصحة الجسد.
ويوضح الدكتور مبيّض أن هناك قائداً خفياً يدير هذا الإيقاع الحيوي، وهو الساعة البيولوجية التي تتربع في منطقة "النواة فوق التصالبية" تحت المهاد. هذه الساعة تدير دورة النوم واليقظة بدقة متناهية، وهنا يبرز دور هرمون الميلاتونين، الذي تفرزه الغدة الصنوبرية مع حلول الظلام، ليعمل كمرسال ليلي يوجه الجسد نحو السكينة والراحة.
لكن هذا المرسال الحيوي، وفقاً لمبيّض، يتعرض لهجوم شرس من الضوء الأزرق المنبعث من الهواتف الذكية والشاشات الإلكترونية، مما يؤدي إلى انحسار إفرازه وتأخر الشعور بالنعاس، ليجد الشخص نفسه أسيراً لأرق لا يرحم.
يعدد الدكتور مبيّض وجوهاً متعددة لاضطرابات النوم، منها الأرق الذي يعيق بداية النوم أو استمراره، وتململ الساقين الذي يسرق راحة الجسد، وانقطاع النفس الخبيث أثناء الليل، بالإضافة إلى الخدر الذي يفاجئ صاحبه بنوبات نوم قهرية خلال النهار.
لمواجهة هذه الاضطرابات، يقدم الطبيب خارطة طريق واضحة للنجاة، ترتكز على عادات بسيطة تساهم في ترويض الساعة البيولوجية. وتشمل هذه العادات: الحفاظ على ثبات مواعيد النوم والاستيقاظ، وتجنب استخدام الشاشات قبل النوم بساعة على الأقل، وتهيئة غرفة نوم تتميز بالهدوء التام والظلام الدامس.
ويرى مبيّض أن اشتداد المعاناة مع الأرق يستدعي اللجوء إلى العلاج المعرفي السلوكي، الذي يصفه بأنه "جراح نفسي" يعيد تشكيل الأفكار السلبية المرتبطة بالنوم، ويضبط المحفزات، ويقلص الوقت الضائع في التقلب على الفراش، معززاً بتقنيات الاسترخاء والتأمل.
أما الدواء، فيصنفه مبيّض كحل أخير يجب أن يكون تحت إشراف طبي صارم، ولفترات قصيرة وبأقل جرعة ممكنة. ويحذر بشدة من مغبة الاستخدام العشوائي للمنومات، خاصة لدى كبار السن، لما قد تحمله من آثار جانبية خطيرة كالدوخة والارتباك.
لطالما نظرت الثقافات القديمة إلى النوم كمرآة للصحة، وليس مجرد غياب عن الوعي. ففي الموروث الشعبي، ارتبط الليل بالحكايات والسكينة، وتغنى الشعراء بـ "ليل العاشقين" و"سهر المتأملين"، محذرين من سهاد ينهش العمر.
واليوم، يعيد العلم اكتشاف ما حفظته الفطرة الإنسانية: أن النوم ليس رفاهية يمكن تأجيلها، بل هو الركيزة الأساسية لحياة متوازنة. وأن استعادته فن يتطلب إصغاءً عميقاً لإيقاع الجسد، قبل أن تبتلعه ضوضاء العصر الحديث.
صحة
صحة
صحة
صحة