في خطوة ذات أبعاد إنسانية وسياسية ورمزية كبيرة، شهدت محافظة السويداء دخول أول قافلة إغاثية وغذائية عبر طريق دمشق – السويداء، وذلك بعد إعادة فتحه من قبل الحكومة السورية. الطريق كان مغلقاً لأشهر بسبب الأحداث التي شهدتها المنطقة.
هذه الخطوة، التي جاءت بتوجيه من الرئيس أحمد الشرع وبالتنسيق مع وزارة الداخلية، تثير تساؤلات حول مستقبل الأزمة في السويداء، وهل هي بداية حل أم مجرد إجراء مؤقت لكسر الجمود.
كسر عزلة السويداء
القافلة، التي أشرف عليها الهلال الأحمر السوري وبمشاركة منظمات دولية، حملت مساعدات غذائية وصهاريج محروقات لتلبية احتياجات الأفران والمنشآت الأساسية. بذلك، استعاد الطريق دوره كشريان حياة اقتصادي وإنساني يربط المحافظة ببقية سوريا، ويعيد الحركة التجارية والنقل.
أكدت محافظة السويداء أن الإجراءات الأمنية التي اتخذتها وزارة الداخلية تهدف إلى ضمان استدامة فتح الطريق وتأمين سلامة العابرين، في إطار مسؤوليتها الوطنية لحماية المواطنين والحفاظ على الاستقرار. وقد تجسد ذلك في عبور أول صهاريج المحروقات، مما يؤكد الأبعاد الخدمية والاقتصادية للخطوة.
موقف محلي داعم
حظيت الخطوة بدعم محلي من شخصيات مؤثرة، مثل الشيخ ليث البلعوس ممثل “مضافة شيخ الكرامة”، الذي اعتبر إعادة فتح الطريق رسالة إيجابية تؤكد حضور الدولة في المحافظة، وفرصة لبناء الثقة بين أبناء السويداء وباقي المحافظات السورية. ورأى البلعوس في الخطوة بداية أمل لعودة الحياة الطبيعية، وإشارة واضحة على أن السويداء جزء لا يتجزأ من الدولة السورية.
تتجاوز أهمية الخطوة المظاهر المباشرة، لتطرح نقاشاً أعمق حول دلالاتها ومآلاتها.
عرابي عرابي: خطوة أولى لا تكفي
الباحث والأكاديمي عرابي عرابي، في حديث لمنصة سوريا 24، رأى أن “فتح الطريق يمثل رسالة رمزية وقوية حول قدرة الدولة على إعادة ضبط الأمن وضمان سلامة التنقل”، وهو مؤشر إيجابي لاستعادة بعض مظاهر الاستقرار السياسي والاقتصادي في المحافظة. لكنه شدد على أن “الافتتاح وحده لا يكفي لضمان استدامة الاستقرار أو إعادة بناء المنظومات الأساسية”، موضحاً أن “الوضع لا يزال هشاً، والحل الجذري لم يأتِ بعد”. واعتبر أن هذه الخطوة، رغم رمزيتها الكبيرة، “لن تكون أكثر من تخفيف مؤقت للأزمة وتسهيل لتدفق المساعدات وعودة الحركة التجارية”.
ولفت عرابي إلى أن السويداء اليوم أمام “فرصة لترجمة هذه اللبنة إلى انطلاقة نحو استعادة الحياة الطبيعية، عبر حوار جاد مع السلطة بعيداً عن مساعي الاستقواء بالخارج أو المطالبة بالانفصال”، مؤكداً أن “الطريق لا يمكن أن يكون الحل النهائي، لكنه قد يكون المدخل لفتح أفق جديد للحوار الداخلي وإعادة بناء جسور الثقة”.
صبح البداح: كسر لخطاب الحصار
أما الباحث السياسي صبح البداح فاعتبر في حديث لمنصة سوريا 24 أن “فتح طريق السويداء – دمشق ودخول القوافل الإغاثية يمثل كسراً عملياً لخطاب الحصار الذي يروّج له الهجري”، مشيراً إلى أن الخطوة هي رسالة واضحة بأن “المحافظة ما زالت جزءاً متصلاً بالدولة”. ورأى البداح أن أهمية الخطوة تكمن في رمزيتها السياسية، لكنها قد تتحول إلى بداية حل إذا ما جرى البناء عليها. ومع ذلك، شدّد على أن “الحل الحقيقي لا يقف عند حدود فتح الطريق أو إدخال المساعدات”، بل يتطلب مقاربات أعمق، أبرزها “إعادة أبناء العشائر إلى أرضهم ومنازلهم بضمانات جدية للأمن والتعويض، وإقامة مصالحة اجتماعية داخلية تعيد اللحمة بين الدروز والعشائر”.
وحذّر البداح من أن الاكتفاء بفتح الطريق سيجعل الخطوة أقرب إلى “إجراء إعلامي”، بينما يجب أن تتحول إلى “جسر لإعادة النسيج الاجتماعي وترسيخ السيادة الوطنية”، مؤكداً أن نجاح أي مسار في السويداء يُقاس “بعودة الناس إلى بيوتهم واستقرارهم، لا بعدد الشاحنات التي تعبر”.
بين خطاب “الحصار” وواقع الانفتاح
منذ اندلاع الأحداث في السويداء، ارتبط المشهد بخطاب متكرر من بعض القيادات المحلية، وعلى رأسهم حكمت الهجري، الذي تحدث مراراً عن “حصار” مفروض على المحافظة. لكن دخول القوافل وعودة الطريق إلى الخدمة يمثل، وفق مراقبين، نفياً عملياً لهذا الخطاب، ورسالة بأن العزلة لم تكن قدراً محتوماً، بل نتيجة ظرف سياسي وأمني قابل للمعالجة.
ماذا بعد فتح الطريق؟
السؤال الذي يتردد اليوم في الشارع المحلي هو: ماذا بعد؟ هل ستقتصر الخطوة على تسيير القوافل وتأمين المواد الأساسية، أم ستكون بوابة لمصالحة أوسع وإعادة بناء الاستقرار؟ الإجابات تبدو متباينة، لكنّ استمرار الطريق مفتوحاً وآمناً، وتزامنه مع مبادرات مصالحة وضمانات جدية للأهالي، قد يشكّل بداية مسار جديد. أما الاكتفاء بالرمزية، فقد يعيد الأزمة إلى مربعها الأول.
ووسط كل ذلك، فإن إعادة فتح طريق دمشق – السويداء ودخول أول قافلة إغاثية خطوة لا يمكن الاستهانة بها، وهي بلا شك “رسالة رمزية قوية” كما وصفها عرابي، و”كسر عملي لخطاب الحصار” كما قال البداح. لكنها أيضاً ليست الحل النهائي. فالطريق وحده لا يبني استقراراً دائماً، بل يفتح نافذة أمل تحتاج إلى رافعة سياسية واجتماعية واقتصادية تترجمها على الأرض. وإذا ما جرى البناء عليها بمصالحة شاملة وضمانات أمنية وعودة النازحين، فقد تكون بالفعل بداية حل لأزمة السويداء، التي أثبتت أن أي جغرافيا سورية مهما بدت معزولة، تبقى جزءاً من الكل، وأن الدولة ما زالت قادرة على مدّ شرايينها في كل اتجاه.